
أخواتي والناس اللي كانوا واقفين ورايا وشايفيني مجنون، أول ما بصلوا جوة القـ,ـبر، الصمت أكل ألسنتهم. فيه اللي رجع خطوتين لورا وهو بيلـ,ـطم على وشه، وفيه اللي صرخ وقال: “أستغفر الله العظيم! أستغفر الله العظيم! ده إيه ده؟!” أنا ما حسيتش بنفسي، نزلت القـ,ـبر برجلي، التراب كان سخن تحت جزمتي، وجسمي كله بيتنفض. مسكت إيد عمر.. كانت باردة زي التلج، بس ضوافره المتقـ,ـطعة والدـ,ـم اللي على الطوب كان بيقول الحقيقة المرعبة اللي عقلي رفض يصدقها في الأول: عمر اندفـ,ـن وهو حي!
عمر مـ,ـات صدمة، أو جاله غيبوبة كاملة من قوة الخبطة بتاعة العربية، والطب الشرعي والمستشفى استعجلوا وقدموا تصريح الدفـ,ـن على إنه فارق الحياة.. الولد صحي جوة الضلمة، صحي تحت أطنان التراب، وجد نفسه مقفول عليه في صندوق طين! حاول يصرخ، حاول يحفر بأطراف صوابعه في الجدار لحد ما ضوافره اتخلعت، وفضل يتلوى من الرعب لحد ما جنبه خبط في فرع جذر الشجرة العتيقة اللي كانت ممدودة جوة القـ,ـبر ومقصوصة بغشامة من التربي وهو بيقفل اللحد.. الشوكة انغرست فيه، ونزف في الضلمة وهو بينادي عليا، لحد ما خنقه ونقص الأكسجين أكلوا البقية الباقية من روحه!
وقفت جوة القـ,ـبر وأنا شايف آثر عذابه، شايف عذاب ابني اللي ملحقش يفرح بشبابه، اللي مـ,ـات مرتين.. مرة تحت عربية طايشة، ومرة تحت التراب وهو بينادي على أبوه سند والأب نايم في بيته مش حاسس بيه! صرخت بعالي صوتي: “ياااااااااارب! ليه؟ ليه يعملوا فيه كده؟! ده أنا أديتهولكم أمانة، تدافنوه وهو بيتنفس؟!”
أخواتي نزلوا ورايا بالعافية، مسكوني وأنا بكيل التراب على وشي وبحاول أضفنه في حـ,ـضني، كانوا بيبكوا بانهيار، والبلد كلها اتلمت على الصوت. التربي اللي قفل القبر يومها جه يجري، ولما شاف المنظر، ركبه خبطت في بعضها ووقع على الأرض وهو بيحلف إنه مكنش يعرف وإن الولد كان جـ,ـثة هامدة وقاطع النفس تماماً وقت الدفـ,ـن. طلّعوني من القبر بالقوة، وأنا شايف وش عمر للمرة الأخيرة.. وش كان متشنج من الرعـ,ـب، كأنه بيسألني: “تأخرت ليه يا بابا؟”
الخبر نزل على البلد زي الصاعقة. الناس كانت بتتكلم بذهول ورهبة، المقـ,ـابر اتملت بشر، والشرطة جت مع النيابة بعد ما البلاغ وصلهم. فتحوا تحقيق عاجل، واتقبض على الدكتور اللي كتب تصريح الدفـ,ـن في المستشفى والتربي، والبلد كلها كانت في حالة حداد ورعب ملهوش مثيل. بس كل التحقيقات وكل المحاضر والنيابات مكنتش هترجعلي عمر، ولا كانت هتمسح صورة صوابعه المتقطعة على قالب الطوب من خيالي. عدت أيام التحقيقات وأنا زي الجـ,ـثة الهامدة. مكنتش باكل ولا بشرب ولا بتكلم. كنت قاعد في الشقة، أدخل أوضة عمر، أمسك هدومه، أشم ريحتها، وأبص للسقف. الكوابيس وقفت.. الصريخ انقطع.
. بس العذاب جواه اتضاعف مية مرة. الحلم كان رحمة، كان تنبيه من ربنا عشان أطلع ابني وأعرف الحقيقة، لكن الحقيقة كانت أتقل من إن بشر يستحملها. كنت كل ما أغمض عيني، أفتكر أمه الله يرحمها وهي بتقولي في المنام: “خرج ابنك يا عبد السميع!”.. كانت عارفة، روحها كانت حاسة بضناها وهو بيتخنق تحت الأرض، وجاتلي عشان أنقذ جـ,ـثته وأكرمه بدفـ,ـنة صح، ونمسح الدـ,ـم اللي كان نازل منه.
عدى شهر على الواقعة، وشعري شاب بالكامل، جسمي هزل وبقيت زي الخيال. بنتي جات من السفر لما عرفت، كانت تبكي وتترجاني أجي أعيش معاها ومع جوزها عشان أخرج من الجو ده، بس أنا رفضت. قلتلها: “أنا مش هسيب بيت عمر.. أنا قاعد مع ريحته هنا لحد ما أروحله.” في ليلة من الليالي، وبعد ما الدنيا هديت والتحقيقات قفلت ملفها على إنها غلطة طبية وإهمال جسيم، قعدت على مصلايتي بعد صلاة الفجر. كنت ببكي بدموع حارقة، وبكلم ربنا: “يا رب.. أنا مش معترض على قضاءك، بس قلبي محروق.. ارحم ضعفي واجعل عذابه في الضلمة دي كفارة ليه وشفاعة ليا.”
ونمت على المصلاية من كتر التعب والدموع.. وهناك.. في النوم.. شفت عمر. بس المرة دي، المنظر كان مختلف تماماً. مكنش فيه شوكة، ومكنش فيه دـ,ـم، ومكنش بيصرخ. عمر كان واقف في مكان كله نور، أرض خضراء ممتدة لمسافات العين مش جايباها، كان لابس ثوب أبيض ناصع زي الثلج، وشه كان بيشع نور وابتسامته الصافية رجعتله تاني.. الابتسامة اللي حرمتني منها الدنيا. قرب مني، ومسك إيدي.. حسيت بدفا إيده اللي حرمتني منها الأيام.
قال لي بصوت هادي وزي العزف: “خلاص يا بابا.. متزعلش ومتعذبش نفسك.. أنا أخذت نصيبي من العذاب في الدنيا ورُفعت درجاتي.. أنا هنا في راحة ونعيم مشفتوش في حياتي، وأمي جنبي وبتسلم عليك.. مستنيينك يا بابا، بس في ميعادك.. اصبر، ودعواتك هي اللي بتوصلني.” قمت من النوم المرة دي.. مكنتش عرقان ولا خايف. كان فيه سـ,ـكينة غريبة نازلة على قلبي، ريحة مسك كانت مالية الأوضة. مسحت دموعي، وقلت: “الحمد لله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.”
عرفت إن ربنا سبحانه وتعالى جعلي الحلم ده عشان أكشف الحقيقة، وعشان أريح جـ,ـثة ابني وأكرمه، وعشان ينبهني إن العذاب انتهى وتبدّل بنعيم مقيم. من اليوم ده، أنا عايش أليف السجادة والقرآن، مستني اللحظة اللي هقفل فيها عيني عشان أروح لعمر وأمه.. وعرفت إن أشد ابتلاءات الدنيا، ممكن تكون هي الباب اللي بيكفر بيه ربنا الذنوب ويرفع بيه الدرجات في الجنة




