
“ذنبها إيه أختي المسكينة اللي شايلاك في عينيها؟ اللي بتستنى رضاك وبتخاف على زعلك؟ أختي اللي كانت بتقولي أبيه بيحبك وبيعتبرك زي أخته وبيدلعك؟ خنتها في ضهرها وعينك كانت على أختها الصغيرة؟! بقى دي الأمانة اللي ائتمنتك عليها لما دخلت بيتنا؟” اتنفست بعمق وهي بتمسح دموعها بإيد مرتعشة، وبصتلي بقوة وشموخ مسحوا كل الدلع اللي كنت مخدوع فيه، وقالتلي جملة نزلت على دماغي زي مية النار:
“فوق لنفسك.. لو فاكر إني ممكن أبصلك في يوم فإنت عبيط! وزي ما هانت عليك مراتك وبعتها عشاني بالسهولة دي، بكرة لما أكبر وشكلي يتغير هتهون عليك وتبيعني عشان غيري.. الراجل الخاين اللي ملوش أمان مع أقرب الناس ليه، عمره ما يكون أمان لواحدة تانية حتى لو كانت هي السبب في خيانته.” مدت إيدها ورزعت أوكرة الباب وفتحته، ونزلت تجري في الشارع من غير ما تبص وراها خطوة واحدة، وسابتني متسمر مكاني، مذهول ومكسور، بكتشف لأول مرة إني مش بس خسرتها وخسرت مراتي.. أنا خسرت نفسي ورجولتي في لحظة طمع وغباء.
صوت رزعة الباب فضل يرن في وداني زي صوت رصاصة، ووقعت في الكرسي ورا ضهري مش قادر حتى أمد إيدي على الدركسيون. كنت باصص على خيالها وهو بيجري ويبعد وسط الناس لحد ما اختفت تماماً، والعربية فجأة بقت ضيقة وقاتمة كأنها تابوت مقفول عليا، وريحة عطرها اللي كانت بتهبلني بقت تخنقني وتفكرني بكل لحظة خسّة عشتها. حطيت راسي بين إيديا، ض.ربات قلبي كانت سريعة بطريقة توجع، والكلام اللي قالته بيتعاد في دماغي كلمة كلمة بصوتها الباكي الحامي: “زي ما بعت مراتك عشاني، بكرة تبيعني عشان غيري.. الراجل الخاين ملوش أمان”.
فجأة رن موبايلي فوق التابلوه بصوت عالي فزعني. بصيت للشاشة بإيد مرتعشة، لقيت اسم “مراتي” منور قدامي. اتجمدت مكاني، النفس اتحبس في صدري ومبقتش عارف أرد ولا أرمي التليفون من الشباك. الرنة طولت وأنا باصص للاسم كأني شايف قاضي جاي يعدمني. ضغطت على زرار الرد بصوت مهزوز بالعافية: “أ… ألو؟” جالي صوتها من الناحية التانية دافي وطيب، فيه كل السذاجة والنية الصافية اللي كانت بتدبحني بالبطيء: “إيه يا حبيبي، اتأخرت ليه؟ هدى وصلت معاك ولا لسه؟ أنا مجهزة الأكل كله اللي بتحبوه وقاعدة مستنياكم، الأكل هيبرد!”
الكلمات وقفت في زوري، حسيت لساني مربوط، ولسه هفتح بوقي أقول أي كدبة أداري بيها المصيبة، سمعت صوت جرس الباب عندهم بيرن بعنف ورا صوتها، وهي بتقولي باستغراب: “ثانية واحدة يا حبيبي ده شكلها هدى وصلت اهي، غريبة رنت الجرس جامد كده ليه ومطلعتش معاك؟ ثواني أفتحلها…” الخط فضل مفتوح، وأنا متسمر مكاني في العربية، سامع خطوات رجلين مراتي السريعة وهي رايحة تفتح الباب، ومستني اللحظة اللي هسمع فيها صوت فضيحتي ودمار بيتي على الهوا.
فضلت حابس أنفاسي وعيني مبرقة في الفراغ، سامع صوت تكة الباب وهو بيتفتح، ورجلي بتترعش على دواسة العربية كأني على مشنقة ومستني الحبل يشد على رقبتي. جه صوت مراتي في السماعة مخضوض: “مالك يا هدى؟! وشك أصفر كده ليه وعينك حمرا؟ وفين جوزي منزلتوش سوا ليه؟” كنت مغمض عيني ومستني الض.ربة القاضية، مستني هدى تصرخ وتقولها حقيقة جوزك الخاين، لكن فجأة سمعت صوت هدى طالع بالعافية، مبحوح ومكتوم، وفيه وجع الدنيا كله، بس كانت بتداري:
“مفيش يا أختي.. تعبت فجأة في الكلية بطني وجعاني أوي ودايخة، وهو كان وراه مشوار شغل مستعجل فنزلني عند أول الشارع وراح يلحقه.. أنا.. أنا محتاجة أدخل أنام شوية ومش قادرة أتكلم.” سمعت صوت قفلة باب الأوضة، ومراتي رجعت للتليفون بصوت مليان قلق وهي بتقولي: “سمعت يا حبيبي؟ هدى شكلها تعبان أوي ووشها خاطف لون، خلص مشوارك بسرعة وتعالى عشان نطمن عليها سوا.” قفلت المكالمة بإيد بتترعش، والتليفون وقع من إيدي على أرضية العربية.
سندت راسي على الدركسيون ودموعي نزلت، دموع خزي وندم عمري ما حسيت بمرارهم قبل كده. هدى مقالتش.. البنت اللي كنت فاكرها صغيرة ومندفعة، طلعت أوعى وأرجل مني ألف مرة؛ صانت أختها وصانت بيتي، سترتني وهي قادرة تدمرني وتمسح بكرامتي الأرض، رفضت تحرق قلب أختها بالخيانة، وفضلت تشيل الوجع والصدمة لوحدها على إنها تهد البيت اللي دخلته بحسن نية. قعدت أكتر من ساعة في مكاني، براجع شريط حياتي كله. شفت مراتي وهي بتفرح بدخولي، شفت صبرها وعشرتها وحبها النظيف اللي ملوش شروط، وشفت نفسي وأنا بجري ورا وهم وسراب، كنت هضيع جنة حقيقية عشان طمع وشهوة ووسوسة شيطان ركبت دماغي.
من اللحظة دي، حسيت بنار بتكوي قلبي وبتنضفه بالقوة. خدت عهد على نفسي إني أقطع السكة دي تماماً، مش بس بالسكوت، بل بالأفعال: * الانسحاب التام من تفاصيل حياتها: قررت أبطل أي سؤال، ومفيش مشاوير للكلية تاني تحت أي ظرف، حتى لو كان التمن إني أختلق أي شغل أو أتحجج بالسفر. * رسم حدود حديدية: لو اتصادف وجمعتنا مناسبة عائلية، مفيش كلمة زيادة ولا نظرة ولا دلع؛ وجودي هيبقى زي الغريب المحترم اللي بيحسب خطواته بحذر.
* رد الجميل والستر: الستر اللي ربنا وهدى وهبوهولي مكنش عشان أرجع زي ما كنت، كان فرصة تانية عشان أصون مراتي وأعوضها عن كل لحظة قلبي غفل فيها عنها وعن حقها. روحت البيت يومها وإنسان تاني تماماً هو اللي دخل من الباب. بصيت لمراتي وهي بتتحرك في الصالة وبتحط الأكل، حسيت إني شايفها لأول مرة بقيمتها الحقيقية؛ الست الصالحة اللي شايلاني وصايناني، واللي كانت تستاهل راجل أنضف وأرجل من اللي كنت عليه.
أما هدى، فكانت الدرس القاسي اللي فوقني من غيبوبتي؛ بنت الأصول اللي علمتني يعني إيه أمانة، وخلتني أدفن الوهم ده للأبد وأبص قدامي، عشان أحافظ على اللي فاضل من شرفي وبيتي. مرت الأسابيع والشهور، والبيت اللي كان على وشك يتهد فوق دماغي اتبنى جواه سور جديد.. سور من ندم حقيقي وتكفير عن ذنب مكنش هيتغفر لو طلع للنور.
هدى مبقتش تيجي عندنا غير على فترات متباعدة جداً، وفي كل مرة كانت بتيجي فيها، كانت الحجج جاهزة عندي: مشوار شغل طارئ، ميعاد صيانة للعربية، أو حتى أفضل قاعد في القهوة بالساعات لحد ما أتأكد إنها مشيت. وحتى المرات النادرة اللي كانت الصدفة بتجمعنا فيها، مكنش بيطلع من لساني غير “إزيك يا هدى، عاملة إيه؟” بنبرة ناشفة وباردة، وعيني في الأرض، أرد على قد السؤال وأقوم أسيب الأوضة فوراً. هي كانت فاهمة، ونظرة الاحتقار اللي شوفتها في عينيها يوم العربية بدأت تتحول بالتدريج لنظرة ارتياح؛ ارتاحت إني فهمت مقامي، وإني لزمت حدودي ومحاولتش أكرر السذاجة دي تاني.
في المقابل، كل طاقتي واهتمامي اللي كانوا ضايعين في الهوا، صبيتهم في بيتي وعلى مراتي. كنت برجع من الشغل عيني عليها هي بس؛ ألاحظ تعبها، أساعدها في تفاصيل البيت الصغيرة، أفتكر تواريخنا ومناسباتنا، وأشتريلها هي الحاجة اللي بتحبها من غير مناسبة. مراتي كانت حاسة بالتغيير، عينيها كانت بتلمع بفرحة بريئة كل ما تشوف حنيتي واهتمامي، وكانت دايماً تطبطب على كتفي وتقولي: “ربنا يخليك ليا يا حبيبي.. حاسة إنك رجعتلي من أول وجديد، الدنيا دي كلها متهمنيش وإنت جنبي كده.”
الكلمة دي بالذات كانت بتدبحني وتداويني في نفس الوقت؛ بتدبحني لأني فكرت في يوم أخونها، وبتداويني لأنها بتأكدلي إني ماشي في الطريق الصح. لحد ما جه اليوم اللي هدى اتخطبت فيه لزميل ليها في الكلية، شاب محترم ومكافح على قد حاله بس شاريها.
يوم قراية الفاتحة في بيت حمايا، كنت واقف وسط الرجالة ببارك للعريس. لما هدى دخلت بالشربات، رفعت عينها وبصتلي لأول مرة من سنين من غير خوف ولا حذر؛ وانا بصتلها بامتنان حقيقي، امتنان إن بيتها وبيت أختها فضلوا واقفين ومحدش اتفضح ولا اتكسر. وأنا في اللحظة دي، باركتلها من كل قلبي، وابتسمت من غير غل ولا حسرة، حسيت براحة عجيبة وغسيل كامل لروحي، كأن حمل جبل انزاح عن صدري.
خرجت من بيت حمايا وماسك إيد مراتي بقوة، ماشي في الشارع وأنا ساندها وسامع ضحكتها الرقيقة وهي فرحانة لأختها، وقولت لنفسي وأنا باصص للسما: “الحمد لله على الستر.. والحمد لله على الصفعة اللي بتفوق البني آدم قبل ما يضيع نفسه ويضيع كل اللي بيحبوه.”

