
— حاجة إيه؟ — مش هينفع أقولك في التليفون. بعد أقل من ساعة كنت هناك. المطعم كان شبه فاضي. لقيت المدير واقف عند مكتبه. وشه متغير. قدامه على المكتب كان فيه ظرف أسود صغير. أول ما دخلت، قفل الباب. قلت: — إيه اللي حصل؟ أشار للكرسي. — اقعدي. قلت بعصبية: — مش هقعد قبل ما أعرف ليه طلبتني. أخذ نفسًا طويلًا. — بعد ما قفلنا امبارح، العامل كان بينضف الكنبة اللي الزوجين كانوا قاعدين عليها. لقى الظرف ده واقع وراها.
بصيت للظرف. — وفيه إيه؟ قال: — فتحته. — وماله؟ رفع عينه ناحيتي. — فيه حاجات تخصك. قلبي دق بسرعة. — تخصني إزاي؟ زق الظرف ناحيتي. فتحته. أول حاجة طلعتها كانت صورة. صورتي. أنا خارجة من الجامعة. الصورة متصورة من بعيد. طلعت صورة تانية. أنا واقفة في محطة مواصلات. الثالثة… أنا داخلة البيت. إيدي بدأت ترتعش. قلت: — إيه ده؟ المدير ما ردش. طلعت باقي الصور. كلها ليا. أماكن مختلفة.
أيام مختلفة. وفي أسفل الظرف كان فيه مفتاح صغير. ومعه ورقة مطوية. فتحتها. كان مكتوب فيها عنوان. وتحت العنوان جملة قصيرة: “لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكِ… تعالي لوحدك.” حسيت الأرض بتتحرك تحتي. بصيت للمدير. — أبويا مات من خمس سنين. قال: — أنا عارف. رفعت رأسي بسرعة. — إنت عارف منين؟ هنا حصل شيء ما كنتش متوقعاه. مديري ما ردش. اتجه ناحية الباب. قفله بالمفتاح. رجع وبصلي وقال: — لأن دي مش أول مرة أشوف الراجل اللي كان قاعد على الترابيزة امبارح.
سألته: — شوفته فين؟ لكن بدل ما يرد… فتح درج مكتبه. وطلع منه صورة قديمة. حطها قدامي. مسكتها. وفي اللحظة اللي بصيت فيها للصورة، حسيت نفسي مش قادرة أتنفس. كان أبويا واقف فيها. أصغر بسنين. وجنبه نفس الراجل اللي هرب من المطعم امبارح. لكن ده ماكانش أسوأ شيء. كان فيه شخص ثالث واقف بينهم. رفعت عيني ناحية مديري. لأن الشخص الثالث… كان هو. يـالا صلوا على محمد وآل محمد وتابعوني علشان تكملوا باقي القصة.
✍️ حكايات الكاتبة أسما السيد فضلت باصة للصورة ومش قادرة أنطق. أبويا. الراجل اللي هرب من المطعم. ومديري. التلاتة واقفين جنب بعض، ووشوشهم أصغر بسنين. رفعت الصورة قدام المدير وقلت: — إنت كنت تعرف أبويا؟ قعد قدامي وقال: — أيوه. — من إمتى؟ — من قبل ما المطعم ده يبقى موجود أصلًا. حسيت الغضب بيطلع جوايا. — وأنا بقالي سنتين شغالة عندك… ولا مرة قلتلي إنك تعرفه؟ قال: — أبوكِ هو اللي طلب مني.
ضحكت بذهول: — أبويا مات من خمس سنين! قال بهدوء: — والطلب كان قبل ما يموت. قربت منه. — احكي. سكت شوية. ثم قال: — أبوكِ والراجل اللي شفتيه امبارح كانوا شركاء. — شركاء في إيه؟ — شركة توريدات صغيرة في البداية. وبعد كام سنة دخلوا في مشروعات أكبر. قلت: — أبويا عمره ما قال إن عنده شريك. — لأن الشراكة انتهت بطريقة سيئة جدًا. بدأ يحكي. قبل وفاة أبويا بسنين، اكتشف إن شريكه كان بيستخدم اسم الشركة في معاملات مش مفهومة.
فلوس بتدخل وتخرج. عقود باسم أشخاص مختلفين. وأوراق أبويا نفسه كان بيكتشف توقيعات عليها ماعملهاش. واجهه. حصلت بينهم مشكلة كبيرة. وبعدها انسحب أبويا من الشركة. قلت: — وإنت كنت إيه علاقتك؟ قال: — كنت المحاسب وقتها. بصيت له. — يعني كنت عارف كل حاجة؟ — كنت عارف جزءًا. — والجزء التاني؟ قال: — أبوكِ أخفاه عن الجميع. سألته: — إيه هو؟ أشار للمفتاح اللي كان في الظرف. — غالبًا ده السبب اللي خلّى الراجل يرجع.
مسكت المفتاح. — بيفتح إيه؟ — معرفش. افتكرت الورقة. العنوان. قلت: — هروح. قال بسرعة: — لأ. — الظرف متساب ليا. — وده بالضبط اللي يقلقني. قلت: — عندي صور متاخدة ليا من غير علمي، وراجل يعرف أبويا بيراقبني، وإنت مخبي عني إنك كنت تعرفه. متوقع مني أعمل إيه؟ أرجع البيت؟ قال: — على الأقل ما تروحيش لوحدك. بصيت للجملة المكتوبة. “تعالي لوحدك.” قلت: — هروح. خرجت من المطعم وأنا مش عارفة أثق في مين.
لكن قبل ما أروح للعنوان، رجعت البيت. لقيت أمي في المطبخ. حطيت الصورة قدامها. أول ما شافتها، الكوباية وقعت من إيدها. قالت: — الصورة دي جاتلك منين؟ قلت: — تعرفي الراجل ده؟ سكتت. قلت: — ماما؟ قعدت. — كنت أتمنى ما تشوفيهوش طول عمرك. حكيت لها اللي حصل. كل ما كنت أحكي، وشها كان بيصفر أكتر. وفي الآخر قالت: — مش هتروحي للعنوان. قلت: — ليه؟ — لأن أبوكِ قضى آخر سنين حياته بيحاول يبعدنا عن الموضوع ده.
سألتها: — أبويا مات فعلًا بالطريقة اللي قلتيهالي؟ بصتلي بصدمة. — إنتِ بتقولي إيه؟ — بسأل. عيطت. وقالت: — أبوكِ مات في المستشفى. أنا كنت معاه. ندمت على السؤال فورًا. حضنتها. لكنها قالت: — فيه حاجة ما قلتهاش لكِ. بعد وفاة أبويا بأسبوع، لقت ظرفًا وسط أوراقه. كان فيه مستندات مالية ومفتاح. قلت بسرعة: — مفتاح زي ده؟ وريته لها. اتجمدت. — بالضبط. لكن المفتاح الأصلي اختفى. سألتها: — اختفى إزاي؟

