
مرّت أربع شهور… أربع شهور وأنا مستحملة التمثيلية، باخد العلاج، وبتظاهر بالبراءة، وبسمع كلامه المعسول واهتمامه المزيف بيا وبالجنين، وأنا جوايا نــ,,ـــــار بتاكل فيا بس صابرة ومستنية اللحظة المناسبة. الحمل ثبت، والدكتور طمننا إن الجنين في وضع ممتاز ودقات قلبه منتظمة. وفي يوم، دخل عليا شريف البيت ومش لوحده… كانت معاه هي. “ندى”.دخلت وورقها في إيدها، ولابسة وش المسكنة. شريف وقف قدامي، وعينيه فيها ارتباك محاول يداريه بنبرة صوت جادة وحاسمة، وقال:– ميشيرة… أنا محتاج أكلمك في موضوع مهم، ولازم تتفهميه وتقدريه عشان خاطر اللي في بطنك. بصلت له بهدوء وثبات وقلت:– خير يا شريف؟
مين دي؟بدأ يكب مبرراته اللي كان مجهزها وحافظها:– دي ندى… ندى كانت مراتي الأولى اللي انفصلت عنها، بس ظروف شغلها وحياتها اتلخبطت الفترة دي، وأنا كراجل شرقي وأصيل ما أقدرش أسيبها للشارع ولا لوحدها. أنا رجعتها لعصمتي من فترة قصيرة، وهتعيش معانا هنا في الشقة. كمل بكذب وملاوعة وعينيه بتهرب مني:– أنا عارف إن الموضوع صعب عليكِ ومفاجأة، بس ندى هادية ومش هتعطلك في حاجة، بالعكس دي جاية هنا مخصوص عشان تاخد بالها منك ومن الحمل، وتخدمك في فترة تعبك دي!
إنتِ عارفة إن الحمل ده غالي عليا وعلى أهلي قد إيه، وأنا مش عايزك تتعبي خالص. ندى قربت خطوة، وابتسمت ابتسامة صفرا كلها خباثة، وقالت بصوت ناعم ينقط سم:– أيوة يا ميشيرة… أنا جاية هنا أكون في خدمتك، واللي في بطنك ده زي ابني بالظبط، هسهر عليه وأشيله في عينيا!بصلت لهم هما الاتنين… هما فاكرين إنهم أذكياء، فاكرين إن ندى جاية تقعد تحت رجلي عشان تضمن إن بويضتها—اللي فاكرة إنها بيتزرع منها العيل—تكون تحت عينيها خطوة بخطوة، وفاكرين إني المغفلة اللي مضحوك عليها وبتاكل من كلامهم المعسول.
بلعت ريقي وأنا بحط إيدي على بطني، وابتسمت لهم ابتسامة غموض خلت شريف يتوتر أكتر، وقلت ببرود:– منورة بيتك يا ندى… طالما الموضوع فيه مصلحة “الطفل اللي في بطني”، يبقى أهلاً بيكِ!سيبتهم ودخلت أوضتي، وأول ما قفلت الباب، ضحكت بصوت واطي… ضحكة مكتومة كلها غل وانتقام. هما فاكرين إنهم دخلوا التعلب جحر الأرنب، وما يعرفوش إنهم بإيديهم دخلوا المصيدة اللي أنا نصبتها!مرت الأيام وبقت العيشة في البيت عبارة عن حرب باردة، بس حرب أنا اللي ممشية قواعدها.
شريف كان كل يوم ينام عندها في الأوضة، واليوم اللي يفكر يجي ينام عندي أو يقعد معايا شوية، كانت ندى تطلع تمثيلية الرخص المتوقعة؛ تعمل نفسها دايخة، مغمى عليها، أو بطنها بتوجعها، فيجري عليها زي الأعمى ويروح لها الأوضة يفضل جنبها. كانت بتتعامل معايا بتكبر وغرور مش طبيعي، وكأنها هي ست البيت وأنا مجرد خدامة أو “حاضنة” للعيل اللي في بطني. كانت تبص لي بقمة الاستعلاء وتديني أوامر مستترة، ولو حاولت أرد أو أوقفها عند حدها، شريف يتدخل فوراً وييجي عليا عشان يرضيها ويطيّب خاطرها.
بس أنا ما كنتش بقلبها خناقة… أنا كنت أذكى من كده بكثير. أول ما ألاقيه بدأ يعلي صوته أو ييجي عليا عشان خاطرها، كنت أحط إيدي على بطني فجأة، وأتوهّج وأعمل نفسي دايخة وبئن بصوت واطي:– “آه… بطني… شريف، الحقني، النبض بيزيد وفي وجع شديد تحت…”في ثانية، كان الوش التاني بيظهر! شريف يتعبس وشّه ويترعب، ونبرة صوته تتغير من العصبية للرعب القاتل، يجري عليا ويسندني وهو بيمــ,,ـــــوت في جلده:– “ميشيرة!
مالك؟! في إيه؟! اهدي خالص.. ندى هاتي كوباية مية بسرعة! اهدي يا ميشيرة مش مستاهلة، خلاص حقك عليا، أهم حاجة العيل!”كنت أبص لندى من تحت لتحت وأنا متألمة “بتمثيل محترف”، وأشوف نظرة العجز والغل في عينيها وهيا مجبورة تروح تجيب لي المية وتخدمني وهي بتغلي من جوة. كانوا هما الاتنين يرخوا الطوق ويهدوا الجو فوراً، لأن الرعب الأكبر عندهم كان إن الحمل ده يحصل له حاجة… هما فاكرين إن الجنين ده هو “ابن ندى” اللي هيعوضها عن حرمانها، وما يعرفوش إنهم بيلفوا الحبل حوالين رقابيهم بإيديهم.
كنت بسيبهم يعيشوا الدور، وأتفرج على شريف وهو متخيل إنه ممشي الدنيا على مزاجه، لحد ما جه اليوم اللي ندى قررت فيه تلعب على المكشوف وتسرب لي المعلومة اللي فاكرة إنها هتكسرني بها…جه يوم الولادة… اليوم اللي الكل كان مستنيه بفارغ الصبر، بس كل واحد لسبب مختلف تماماً. ندى طول الأيام اللي فاتت كانت عمالة تكيد فيا وتستفزني بكلامها السم، تبص لي بقمة الاستعلاء والشماتة وتقولي بصوت واطي ومن تحت لتحت عشان شريف ما يسمعش:– “أنتِ فاكرة نفسك بجد بقيتي حاجة؟
شريف ده بتاعي أنا وبس! لو حتى جبتيله عشر عيال هيفضل قلبه معايا… أنتِ مجرد مرحلة مؤقتة، ودورك هيخلص أول ما العيل يخرج للدنيا. شريف هيرميلك قرشين يرموا عضمك ويطلقك وترجعي من مطرح ما جيتي!”كنت ببتسم لها ابتسامة باردة جداً، وبسكت… كنت بسيبها تغلي في أوهامها وتظن إنها الساحرة الشريرة اللي مسيطرة على اللعبة كلها، وأنا بكرر في سري: “الضحكة الأخيرة هي اللي بتدوم يا ندى”.دخلت أوضتي في المستشفى، والجو كان مشحون برعب ومتعة مكتومة.
شريف كان بره القاعة رايح جاي زي المخبول، وندى واقفة جنبه شامتة ومجهزة نفسها عشان هي اللي تستلم “العيل” أول ما ينزل، وفاكرة إنها بكده كسرتني للأبد. الدكتور دخل الأوضة يجهزني للعملية، كان بيترعش ووشه أصفر زي الليمونة. بص لي بقلة حيلة وقال بصوت واطي:– “مدام ميشيرة… شريف بيه وندى بره مستنيين الإشارة، والكل فاكر إن اللي حيحصل هو اللي اتفقوا عليه… التسجيلات لسه معاكِ صح؟”طلعت تلفوني من شنطتي وابتسمت له بثبات:– “التسجيلات متأمنة مع المحامي بتاعي، ولو ما طلعتش من الأوضة دي ومعايا ابني وبس، المحامي هيتحرك فوراً للنيابة.
أنت هتخرج الوقتي تقول لشريف إن العملية نجحت وابنكم اتولد بسلام… بس الباقي عليا أنا!”خرج الدكتور، وورا الباب سمعت صوت شريف وندى وهما بيصرخوا من الفرحة، ندى كانت بتبكي وتقول: “أخيراً ابنى بقى فى حــ,,ـــــضنى !”… وهما ما يعرفوش إن الفرحة دي هي الهدوء اللي قبل العاصفة!بعد ساعات، فوقت من البنج، وبدأت أجهز المشهد الأخير اللي هيهد المعبد على دماغهم كلهم.




