روايات

مراتي ورثت حكايات امانى 1

رجليه ما شالتنيش، وقعدت على أقرب كرسي وأنا حاسس بدوخة شديدة. “بعتي الشقة؟! بعتي شقة أبوكي؟! أنتِ أكيد بتستعبطي! وعيلتي؟ وأمي اللي طردتيها دي تروح فين؟” ضحكت ضحكة مكتومة وقالتلي نفس الجملة اللي كنت بقولها لها لما تطلب مني فلوس للبيت: “أنت عارف ظروفي.. اطلع من معاك وما تبقاش بخيل! مش أنت معاك شبكة وهدايا غالية خطبت بيهم خطيبتك الجديدة بالداري؟ روح خدهم منها واشتري بيهم شقة لأمك، أو روح اسكن في شقة أميرتك الجديدة.. محدش يعرف عمره يا أبو العروسة!”

أنا اتسمرت في مكاني، وعقلي اتوقف عن التفكير.. عرفت منين؟! عرفت عن الخطوبة وعن الدهب إزاي؟! قبل ما أنطق بكلمة، المحامي وقف وفتح ساعته وقال بصرامة: “فاضل ساعة وخمسين دقيقة يا أستاذ.. ياريت تبدأوا تلموا شنطكم عشان المالك الجديد جاي يستلم المفاتيح.” نزلت كلماتها عليا زي المطرقة. عرفت كل حاجة.. كانت عارفة عن الشبكة والخطوبة السرية، وكل دقيقة كانت بتخدم فيها أمي وإخواتي، كانت بتدبر فيها لضربتها القاضية، وأنا المنتفخ بغروري فاكر إني بضغط عليها عشان تسلم.

وقفت مشلول مش قادر أتحرك، لكن أمي وإخواتي ما استنوش. صراخ إخواتي وبكاء عيالهم ملأ الصالة، ودخلوا في حالة هيستيريا وهم بيجروا على الأوض يلموا هدومهم في أكياس وشنط قديمة. أمي بقت بترتجف وتترجى مراتي بصوت مرتعش ودموعها نازلة على خدها: “يا بنتي حرام عليكِ.. روحنا فين في آخر النهار؟” مراتي ما اهتزتش ليها شعرة، وقفت قدام الشباك تتابع الشارع بكل برود، وقالت بصوت جاف: “البيت اتخرب يوم ما دخلتوه بنية الخنق والضغط يا حاجة.. البيت ده مبقاش بيتي ولا بيت ابنك، والمالك الجديد زمانه على السلم، فرغوا الصالة فوراً.”

طلعت أجري عليها وحاولت أمسك إيدها أترجاها: “طب أنا.. أنا غلطت! حقك عليا، لغينا الجوازة، لغينا كل حاجة! نرجع الدهب، أرجوكي بلاش تفضحينا!” بصت لإيدي وزقتني بقوة خلتني أرجع خطوات لوراء وقالت: “الدهب اللي هترجعه ده مش هينفعك.. لأن العروسة وأبوها زمانهم عرفوا كل حاجة. أنا بعت它们的 نسخة من صور شبكتكم وقوائم الهدايا اللي اشتريتها بفلوس بيتي وأنت ممتنع عن مصاريف بيتك، ودلوقتي هم بيحسبوك شخص استغلهم.. تفتكر أبو أميرتك الجديدة هيجوزها لواحد مطرود في الشارع وعليه قضايا؟”

الدم اتجمد في عروقي. خطيبتي وأبوها عرفوا! التحويشة اللي ضيعتها في الدهب عشان أتعرف بيهم راحت.. والشقة اللي كنت فاكر إني هاضغط على مراتي تشتريها طارت.. وحتى الشقة اللي قاعد فيها اتباعت لغيري! وفجأة، الباب اتفتح بقوة ودخل رجل ومعه محامين ورجال أمن. المالك الجديد. بصلنا بنظرة احتقار ورما عقد الشراء الموثق على الطاولة وقال بصوت جهوري: “أنا استلمت الشقة ورسمياً بقيت مالكها. قدامكم عشر دقايق الشنط دي كلها تكون في الشارع.”

أمي صرخت وإخواتي بقوا يشيلوا الكراتين ويهربوا بيها على السلم زي الفئران، وأنا واقف في نص الصالة، مش شايف غير ملامح مراتي الباردة وهي بتاخد شنطتها الجلد وتلبس نظارتها. قبل ما تخرج من الباب، اتلفتت لي وقالت بصوت واطي: “كنت بتقولي ‘محدش يعرف عمره’.. وأنا فعلاً أمنت نفسي للزمن، وشفت هدفي بعيد عنك. الشنطة دي فيها هدومك الشخصية رامياها لك عند البواب.. ورقة طلاقك هتوصلك على عنوان أمك اللي هتروح تنام عندها النهاردة.”

مشيت وسابتني.. سابتني واقف وسط صالة فاضية، المالك الجديد بيزقني برة الباب ويقفل الكالون في وشي، وإخواتي وأمي قاعدين على شنط الهدوم في مدخل العمارة تحت عيون الجيران. مسكت تليفوني بإيد بترتعش وحاولت أتصل بأبو العروسة الجديدة، لكن أول ما التليفون فتح، سمعت صوت أبوها بيصرخ فيا وبيغلق الخط في وشي ويعملي حظر. وقفت في الشارع وسط الشنط، جيب فاضي، مفيش سقف يحميني، خطيبتي ضاعت، ومراتي طارت بفلوسها وكرامتها وأخدت حقها بالكامل.. وكنت فاكر إني أذكى منها، لحد ما اكتشفت إني خسرت كل حاجة في لحظة واحدة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

فتحت الخط بإيد بترتعش، وصوتي طالع بالعافية من هول الصدمة: “ألو.. مين معايا؟” جاءني صوت رجل جاد وصارم، نبرته ما بترحمش: “أنت الأستاذ فلان؟ معاك النقيب محمد من قسم الشرطة. طليقتك الأستاذة حضرت هنا من ساعة ومعاها المحامي بتاعها، وقدمت بلاغ رسمي بتهمة تبديد منقولات زوجية وشيكات بدون رصيد، بالإضافة لمستندات بتثبت إنك استوليت على مبالغ مالية منها بطرق غير قانونية. صدر ضدك ضبط وإحضار فوراً، ولو ما جيتش بنفسك تسلم نفسك خلال نص ساعة، قوة من المباحث هتنزل تجيبك من العنوان اللي أنت فيه.”

الخط اتأفل في وشي، والصوت بقى يتردد في ودني زي الجرس اللي بيعلن نهايتي. التليفون وقع من إيدي على الأسفلت واتكسرت شاشته، زي ما حياتي كلها اتكسرت في لحظة. بصيت حوالييا، المشهد كان يهد أعتى الرجال. أمي قاعدة على كرتونة قديمة في شارع العمارة، حاطة إيديها على خدها وبتعيط بكسرة، وإخواتي البنات بيتخانقوا مع بعض وبيرموا التهم على بعض، وعيالهم صوت صرخهم مالئ الشارع، والجيران مطلعين رؤوسهم من البلكونات يتفرجوا علينا كأننا مسرحية. أنا اللي كنت ماشي في المنطقة دي مرفوع الرأس، صاحب كلمة وهيئة، بقيت مسخرة الشارع والكل بيأشر عليا بصباعه.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى