منوعات

ليلة العيد 1

— إيه المهزلة دي؟ أنتِ متخيلة إنك لما تسيب البيت مكركب وتمشي كدة تبقي ست بيت شاطرة؟ أنتِ عارفة أمي بقالها قد إيه مشربتش حاجة سخنة؟ وعارفة إني نزلت بنتك بالعافية وكنت هتأخر على شغلي؟ حماتي قامت من مكانها، وبصتلي بعينين مليانة غيظ، لكن نبرتها المرة دي كانت متلخبطة بين التهديد والعتاب: — بقى كدة يا بنت الناس؟ تصحي الصبح وتسيبينيا من غير فطار ولا شاي؟ عشان كلمة هزرها معاكي جوزك ليلة العيد؟ كبرتي الموضوع وعملتي فيها صاحبة وظيفة ورجعتي للماضي؟

أخت جوزي دخلت في الكلام وهي بتنفخ: — أنا ابن الشغلانة دي كلها! ابني هيروح بكرة ازاي ببنطلون فيه بقعة؟ أنتِ مفروض كنتِ غسلتي الهدوم قبل ما تنزلي تعملي الحركات دي! وقفت في نص الصالة. ما صرختش، وما وريتهمش أي انفعال. حطيت الشنطة ببطء على الترابيزة، وفي نص الترابيزة دي.. كان لسه الظرف الصغير أبو “جنيه” محطوط زي ما هو، ما حدش تجرأ يشيله. بصيت للظرف، وبعدين بصيت لجوزي وقلت بهدوء شديد:

— البوتجاز شغال، والغسالة أوتوماتيك بتشتغل بفرة زارار، والشاي في المطبخ على اليمين. أنت مش قلت إن وجودي هنا زي عدمه؟ وإن المجهود اللي بعمله ملوش قيمة وميستاهلش غير جنيه؟ خلاص.. أنا قررت أحترم وجهة نظرك، وأوفر المجهود اللي ملوش قيمة ده، وأركز في شغل بيكافئني بتقدير وفلوس بجد. جوزي قرب مني ونبرته عليت: — بلاش الجنان ده! شغل إيه اللي هيرجعك بكرة؟ أنتِ فاكرة نفسك كبرتي على الشغل ده خلاص؟ أنتِ أم وست بيت، الشغل ده كان زمان قبل ما أتجوزك وأصرف عليكِ!

ساعتها بصيت له ابتسامة صغيرة وقاتلة: — أنت مكنتش بتصرف عليا يا أحمد.. أنت كنت بتشتري خدماتي ببلاش، ولما حبيت تقيمها.. قيمتها بجنيه. واليوم اللي بيعدي في شركتي بيكسبني أكتر من العيدية اللي وزعتها على العيلة كلها في ليلة واحدة. الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. حماتي بصت لابنها وهي مش مصدقة، وأخت جوزي قطعت كلامها وسكتت تماماً. في اللحظة دي، دخلت بنتي من الأوضة جوة. كانت خايفة من الصوت العالي، لكن أول ما شافتني

جريت عليا وحضنتني، وقالت بصوت واطي ومبهور: — ماما.. أنتِ شكلك حلو أوي بالهدوم دي.. زي الصبيان اللي في المجلات! وطيت مستواها وحضنتها، وقلت لها: — وماما من بكرة هتأكلك أحلى أكل، وهتدخلك التمرين اللي كان نفسك فيه، وهتوصلك المدرسة كل يوم بالأتوبيس بتاع شغلها.. عشان ماما بشتغل وبتاخد أجر محترم على تعبها.

جوزي بصلي بعيون مليانة حيرة وعجز، وكان واضح إن البيت كلو اتقلب فوق دماغه في ظرف 9 ساعات بس. مكنش عارف يتصرف، ولا عارف يفرض سيطرته زي العادة، لأن الإهانة اللي حاول يذلني بيها ليلة العيد.. تحولت لشرارة صحّت الشغف والقوة اللي كان فاكر إنه دفنهم جوايا للأبد. مسكت إيد بنتي ودخلت بيها أوضتي، وسبتهم في نص الصالة الفاضية، محتارين يبدأوا ينظفوا منين ولا يعملوا العشا إزاي. قفلت الباب ورايا، وقبل ما أغير هدومي، التليفون رن.

كانت رسالة من الأستاذ كمال: “شيماء.. العميل اتفق معانا رسمياً على مشروع بكرة بفضل أفكارك، ومحتاجينك تقودي الفريق بنفسك بمرتب وهامش أرباح يغير حياتك.” مسكت الموبايل، وابتسمت، وعرفت إن القصة لسه هتبدأ بجد.. وان الدفعة الحقيقية للحساب قربت أوي. عدى الأسبوع الأول زي الكابوس على البيت، وزي الحلم بالنسبة لي.

كل يوم كنت بأصحى الساعة سبعة الصبح، ألبس طقم الشغل بكل شياكة، أجهز لبنتي سندوتشاتها بنفسي، وآخدها في إيدي وأوصلها المدرسة، وأطلع على الشركة. تسع ساعات بعيد عن النكد، والتحكمات، وطلبات حماتي اللي مابتخلصش، واستغلال أخت جوزي. في الشركة، كان كلامي بيتسمع، أفكاري بتتنفذ، والكل بيناديني “باشمهندسة شيماء”. حسيت إن الرئة اللي اتسدت بقالها سنين رجعت تتنفس هوا نظيف من تاني. أما البيت؟ فالدمار كان شامل.

أحمد، جوزي، اللي كان متعود يصحى يلقى القهوة والهدوم المكوية والفطار الجاهز، بقى يصحى يلقى الصالة مقلوبة. حماتي، اللي كانت متعودة على الشاي بالنعناع والشوربة السخنة والمساج لرجليها لما تتعب، بقت قاعدة طول اليوم تتذمر وتتحسر على الأيام الخوالي. وأخت جوزي اللي كانت فاكرة البيت أوتيل ببلاش، لقت نفسها متدبسة في غسيل هدوم ابنها وطبيخ العيلة كلها، واكتشفت في ظرف ثلاثة أيام بس إن شغل البيت اللي كانت بتسخر منه بيهد الحيل!

في يوم الخميس بالليل، رجعت من الشغل متأخرة شوية، الساعة كانت جابت سبعة. أول ما فتحت باب الشقة، لقيت الهدوء العجيب يسود المكان، بس مش هدوء راحة.. كان هدوء ما قبل العاصفة. الأكل المحروق ريحته مالية الممر، واللعب متطرمخة، وجوزي قاعد على الترابيزة ومستنيني، وحماتي قاعدة على الكنبة زي القاضي اللي مستني يعلن الحكم، وأخت جوزي واقفة مربعة إيدها. أول ما دخلت وحطيت الشنطة، أحمد وقف، وشكل وش أتقلب، وعيونه كان فيها خليط من الغضب والعجز.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى