
مخطوبه حكايات روماني مكرم1 حملت من خطيبي وأنا عندي 27 سنة، لكن أول ما قلتله إني حامل، اختفى من حياتي من غير كلمة واحدة. كنت فاكرة إن دي كانت أكبر صدمة ممكن أتعرضلها…لحد ما ولدت بنتي، وروحت بيها لجدي، الراجل اللي رباني بعد وفــ,,ـــــاه أبويا وأمي. أول ما شاف وشها، وشه اتغير، وانهار في العياط وهو بيقول: — مستحيل… إنتِ مش فاهمة إنتِ عملتي إيه!جدي كان أبويا الحقيقي بكل معنى الكلمة. من بعد وفــ,,ـــــاه أبويا وأمي، هو اللي رباني وكبرني، ووقف جنبي في كل خطوة في حياتي.
ولما حملت وأنا عندي 27 سنة، والراجل اللي كنت بحبه اختفى في نفس الليلة اللي عرف فيها إني حامل، جدي كان هو الشخص الوحيد اللي منعني من الانهيار. جدي عمره ما شافه. وأنا كذا مرة أجلت إني أعرّفهم على بعض، وكنت دايمًا بقول لنفسي إن لسه قدامنا وقت، وإن علاقتنا لما تبقى جد أكتر هخليه يقابله. لكن لما اختفى فجأة من غير حتى ما يقول كلمة وداع، جزء مني ارتاح إنهم ما اتقابلوش أصلًا. جدي مسك إيدي وقتها وقال:
— خلي البنت دي تيجي الدنيا يا حبيبتي… ومهما حصل، إحنا هنواجهه سوا. وكان فعلًا قد كلامه. هو اللي بنى سر,,ـــــير البيبي بإيده. وهو اللي كان بيوصلني لكل مواعيد الدكتور. ولما الدكتورة قالت إن اللي في بطني بنت، عيط من الفرحة كأنه هو اللي هيخلف. لكن الولادة نفسها حصل فيها مشاكل كبيرة. اللي كان المفروض يبقى يومين في المستشفى، اتحول لحوالي أسبوعين كاملين، وبنتي الصغيرة كانت بتحارب عشان تفضل عايشة.
لكن من أول لحظة شيلتها فيها، لاحظت حاجة خوفتني. كنت شايفة أبوها في كل تفصيلة في وشها. شعرها الغامق. الدقن الصغيرة اللي فيها غمازة. وحتى عينيها الغريبة…واحدة زرقا فاتحة، والتانية بني غامق لدرجة إنها كانت بتبان شبه السودة. نفس شكل عينيه بالظبط. ولما الدكاترة أخيرًا سمحولي آخد بنتي البيت، ما فكرتش أروح فين. روحت على طول لبيت جدي. كان قاعد في البلكونة لما عربيتي دخلت قدام البيت. أول ما شافنا، قام بسرعة لدرجة إن فنجان القهوة وقع واتكب على السلم. ابتسم وقال بصوت مليان فرحة:
— يا أهلاً ببناتي!قربت منه وأنا مبتسمة، وحطيت البنت في إيده بحرص. لكن أول ما شاف وشها…ابتسامته اختفت. جدي فضل باصص في عين من عينيها، وبعدها بص للعين التانية. وفي ثواني، وشه كله اتغير. اللون اختفى منه تمامًا. قلتله بقلق: — جدو… مالك؟ فيه إيه؟ إيديه بدأت تترعش تحت البطانية اللي لافف بيها البنت. وبصلي فجأة وسألني: — أبو البنت دي مين؟السؤال فاجأني. قلت: — يعني إيه؟قال بسرعة وتوتر: — الراجل اللي كنتي مرتبطة بيه… اسمه إيه؟بصيتله باستغراب.— ليه بتسأل عن اسمه؟لكنه أصر:
— قوليلي… اسمه إيه؟ قولتله اسمه. وفضلت مستنية أفهم إيه اللي حصل. جدي بصلي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده. كانت نظرة فيها خوف… وحزن… وصدمة. وهمس: — يا رب استر…وبعدين قال بصوت مكسور: — إنتِ مش فاهمة إنتِ عملتي إيه. حسيت قلبي وقع.— جدو، إنت بتقول إيه؟ ليه بتخوفني؟ دموعي سقطت بغزارة، وعقلي يحاول استيعاب الصدمة الأولى: أنا لست ابنة الرجل الذي بكيت عليه سنوات، بل ابنة رجل نذل تخلّى عن أمي. لكن رأسي كان يتساءل: ما علاقة هذا بخطيبي؟ ولماذا قال جدي “إنتِ مش فاهمة إنتِ عملتي إيه”؟
رفعت رأسي ودموعي تغطي وجهي وقلت بصوت متقطع:— ماشي يا جدو.. أنا فاهمة الصدمة.. فاهمة إن أمي كان ليها ماضي وأن أبويا الحقيقي طلع واحد ندل.. بس ده إيه علاقته باللي بيحصل معايا دالوقت؟ ليه بتقولي إني عملت كوارث؟ خطيبي ماله ومال الشاب ده؟ جدي حرك رأسه ببطء، وعيناه تعكس رعبًا لم أره في حياتي قط. اقترب بجسده مني، وقال بصوت يرتجف كأن الخوف يخنق حنجرته:— الشاب ده.. اللي ضحك على أمك زمان وكان عنده نفس العينين الغريبة دول.
. مخلفش في حياته كلها غير ولد واحد بس.. ولد سمّاه على اسم جده.. الشاب ده لما اختفى زمان راحت أخباره، بس أنا سالت وراه وعرفنا إنه خلف ولد واحد وبس من جوازة تانية بعد أمك.. سكت جدي، وتجمعت الدموع في عينيه مجددًا، ثم استطرد وهو يغلق عينيه ألمًا:— الراجل اللي أنتِ كنت مرتبطة بيه.. وشايلة بنته في حــ,,ـــــضنك دالوقت.. يبقى ابن الشاب ده!ساد صمت أشد هولاً من الصمت الأول. لم أستوعب في اللحظة الأولى. قلت بنبرة ضائعة:— يعني إيه؟
يعني خطيبي يبقى ابن الراجل اللي ضحك على أمي؟نظر لي جدي بنظرة مكسورة، وقال الهمسة التي حطمت كليًا ما تبقى من عقلي:— يعني الراجل اللي أنتِ حملتي منه يا بنتي.. يبقى أخوكي من الأب!الجزء الثالث:توقف الزمان والمكان، وشعرت برودة القبــ,,ـــــر تسري في عروقي. كانت الكلمة تتردد في أذني كصدى مرعب لا ينتهي: “أخوكي من الأب!”. سقطت على الأرض بجانب قدمي جدي، لا أستطيع التقاط أنفاسي، وأشعر بقلبي يكاد ينفجر من صدـ,,ـــري. كانت يداي ترتجفان وهي تلمسان وجهي، وكأنني أحاول التأكد من أنني ما زلت على قيد الحياة ولم أمت من هول الفاجعة.

