منوعات

مخطوبه حكايات روماني مكرم1

صرخت بصوت خافت مكسور، صرخة خرجت من أعمق نقطة في روحي المجهدة:— مستحيل يا جدو! أنت بتقول إيه؟ كذب! قول إنك بتكدب عليا عشان تنـ,ـتقم منه! قول إن ده كابوس وهأصحى منه! أخويا إزاي؟! أنت فاهم الكلمة اللي خرجت من بقك دي معناها إيه؟ !جدي انحنى عليّ، وضع يده المرتعشة على رأسي، ودموعه تسقط على شعري كالمطر الحارق:— يا ريتني بأكدب يا بنتي.. يا ريتني كنت مجنون أو بعاني من ألم الخرف! بس دي الحقيقة المرة اللي عشت خايف منها طول عمري.

أمك كانت خايفة من اليوم ده، خايفة إن الماضي يطاردك، وعشان كده خلتني أوعدها وأحلف على المصحف إن السر ده يمــ,,ـــــوت معايا وما أعرفكيش أي حاجة عن العيلة دي أبدًا. رفعت رأسي ونظرت إليه بعينين غائبتين عن الوعي تقريبًا، وقلت بتلعثم شديد:— بس هو.. هو كان عارف؟ قرب البنت منه أكتر، وفضل باصص لعينيها كأنه شايف قدامه شخص كان فاكره مـ,ـات من سنين. كل الاحتمالات المرعبة بدأت تلف في دماغي. قلتله وأنا تقريبًا على وشك أعيط:

— جدو… إنت مرعبني. إيه اللي بتتكلم عنه؟غمّض عينيه فترة طويلة. ولما فتحهم، كانت دموعه نازلة على خده. قال بصوت ضعيف: — أنا مكنتش المفروض أقولك الحقيقة أبدًا. سكت لحظة، وبعدين كمل: — أمك خلتني أوعدها إني آخد السر ده معايا القبــ,,ـــــر. حسيت جسمي كله تلج.— سر إيه؟بصلي، وبعدين بص للبنت اللي في حــ,,ـــــضنه. وقال: — لكن بعد الغلطة اللي عملتيها من غير ما تعرفي الحقيقة…روايات_احمد_عمار حصرى سكت. وبصلي بنظرة مليانة خوف.— مبقاش عندي اختيار… لازم تعرفي الحقيقة. الجزء الثاني:ساد الصمت في الصالة، صمت ثقيل ومخيف كأن الزمن توقف تمامًا.

لم أكن أسمع سوى صوت أنفاسي المتسارعة ونبضات قلبي التي كانت تضــ,,ـــــرب في أذني كطبول الحرب. جدي كان جالسًا على الكرسي، يضمني ببصره ويحتضن الطفلة ببراعة وحذر شديدين، بينما دموعه تسيل في صمت على تجاعيد وجهه التي لم أرها يومًا بهذا الانكسار. انحنيت أمامه وأنا أرتجف، أمسكت بيده المرتعشة وقلت بصوت يحترق بالرجاء:— سر إيه يا جدو؟ أرجوك اتكلم.. ما تسيبنيش في النــ,,ـــــار دي! سر إيه اللي أمي خليتك توعدها تخبيه؟ وما له ومال خطيبي؟ وما له ومال عيون بنتي؟

أغمض جدي عينيه بقوة، كأنه يحاول استجماع شجاعة عمره كله ليخرج كلامًا ظل مدفونًا في صدـ,,ـــره لأكثر من ربع قرن. زفر زفيرًا طويلاً مجهدًا، ثم فتح عينيه وبص في عيني مباشرة، وقال بنبرة خافتة تقطع القلب:— خطيبك.. الراجل اللي اختفى أول ما عرف إنك حامل. . العينين دول، العين الزرقا الفاتحة والعين البني الغامق.. دي مش حالة نادرة في العيلة يا بنيتي.. دي علامة وراثة مشهورة جدًا في عيلة واحدة بس أنا عارفها كويس.. عيلة “العطار”.شعرت ببرودة تسري في أطراف أطرافي، وقلت بتلعثم:— عيلة العطار؟

مين دول؟ وأنا مالي ومالهم؟جدي بلع ريقه بصعوبة، ونظر للطفلة ثم نظر لي وقال:— أبوكِ الله يرحمه.. اللي ربّاكِ مع أمك وكان فاكرك بنته.. ما كانش أبوكِ الحقيقي. وقع الكلام عليّ كالصاعقة. شعرت بدوار شديد كأن الأرض تدور بي. تراجعت خطوة للوراء وأنا أهز رأسي برفض قاطع:— أنت بتقول إيه يا جدو؟! أنت خرفت؟ أبويا اللي مـ,ـات هو أبويا! اللي كنت بشوفه بيحب أمي وبيدلعني.. أنت بتقول إيه؟!جدي بكى بصوت مسموع، وقال:— اسمعيني للأخر يا بنتي.. الله يخليكي اسمعيني.

. أمك الله يرحمها زمان، وهي أصغر منك بشوية، وقعت في حب شاب من عيلة العطار.. شاب غني ومستهتر، ضحك عليها وعلّقها بيه، ولما حملت منه. . اتخلى عنها واختفى بنفس الطريقة اللي اختفى بيها خطيبك! سابها مكسورة ومفضحتها هتغطي البلد. لما عرفت، أنا كنت ه. ه، بس هو كان فص ملح وذاب. . ساعتها أبوكِ الراحل—اللي هو صاحب عمري ورجل من أطهر خلق الله—عرف بالقصة، وتقدم لأمك، ستر عليها وأخدها وسافروا بعيد، وكتبك باسمه ورُبيتي في حــ,,ـــــضنه كأنك حتة منه، وعمره ما حظك ولا حسسك بأي فرق. جلست على الأرض عند قدمي جدي، غير قادرة على الوقوف.

يعني هو اختفى عشان اكتشف السر ده؟! عشان كده سابني من غير ولا كلمة أول ما عرف إني حامل؟!جدي غطى وجهه بيده الأخرى، وهو يهز رأسه بألم:— ما أعرفش يا بنتي.. ما أعرفش هل هو عرف الحقيقة فجأة وهـ,ـرب من بشاعة الجـ,ـرم، ولا اختفى عشان هو نذل وطالع لأبوه، بياخد اللي عايزه ويهرب! بس العيون دي.. العيون دي كانت اللعنة اللي كشفت كل حاجة. العائلات التانية ممكن تتشابه، بس الشاغرة دي—العين الزرقا الفاتحة مع العين البني الغامق—دي طفرة وراثية مقفولة على رجالة عيلة العطار بس! أبوه كان كده، وهو كده، وبنتك المسكــ,,ـــــينة نازلة شايلة نفس اللعنة في عينيها!

نظرت إلى الطفلة النائمة في أحضان جدي. كانت صغيرة جدًا، بريئة تمامًا، لا تدري أنها ولدت لتكون ضحية أكبر خديعة وأبشع ترتيب للقدر. كيف يمكن لهذه الرضيعة التي لا يتجاوز عمرها أيامًا معدودة أن تحمل في دمائها هذا السر المظلــ,,ـــــم؟ كيف أنظر إلى وجهها بعد اليوم وأنا أرى فيه وجه أب أكتشف الآن أنه أخي؟قمت واقفة بصعوبة، وأنا أترنح كالسكرانة. كدت أسقط أكثر من مرة، وأنا أردد:— حرام.. حرام عليكم! ليه سيبتوني أعيش في الوهم ده؟

ليه ما قولتليش من الأول؟ لو كنت أعرف.. لو كنت أعرف أي حاجة عن العيلة دي، ما كنتش قربت منه! ما كنتش فتحتله قلبي! ما كنتش خليت اللحظة دي تحصل!جدي قام من كرسيه وهو يحمل الطفلة بحذر، واقترب مني وحاول أن يمسك بيدي، لكنني تراجعت للخلف وأنا أهز رأسي برعب ورفض. قال جدي بنبرة توسل:— أمك كانت فاكرة إنها بتحميكي يا بنيتي! كانت فاكرة إن العيشة في الستر والتستر على السر أفضل من إنك تكبري وأنتِ عارفة إنك بنت حرام من راجل نذل! كانت عايزاكي تكبري وأنتِ مرفوعة الراس، فاكرة إن الراجل الصالح اللي رباكي هو أبوكِ الحقيقي!

محدش فينا كان يتوقع إن الأيام تدور، وإنك تتقابلي مع ابنه في نفس المدينة، وتوقعوا في حب بعض من غير ما حد يدري! ده قدر.. قدر أسود ومكتوب!جلست على الكنبة وضغطت على رأسي بيدي بكيل من القوة كأنني أحاول منع عقلي من الانفجار. كل الذكريات مع خطيبي بدأت تمر أمام عيني كشريط فيديو مرعب:ابتسامته، كلامه عن عيلته التي كان يتهرب دائمًا من الحديث عنها بتفاصيل، قوله لي في أحد الأيام بضحكة غامضة: “أنا وأبويا بيننا مشاكل كبيرة، وعشان كده أنا قطعت علاقتي بيه وبكل عيلته من زمان ومابحبش أفتكرهم”..الآن فقط فهمت!

الآن فقط أدركت لماذا لم يكن يريدني أن ألتقي بأحد من أسرته، ولماذا كان يهرب من الفكرة كلما اقترحت عليه أن يزور جدي! هل كان يعلم؟ أم أنه كان يجهل هو الآخر حتى جاءت اللحظة التي قرر فيها السأل أو البحث؟ رفعت رأسي لجدي وسألته بصوت حاد ومختنق بالدموع:— هو اسمه الحقيقي إيه؟ أبوكِ وأبوه اسمه إيه بالكامل؟جدي بلع ريقه وقال بصوت مكسور:— اسمه “سليم العطار”.. وأبوه كان اسمه “فريد العطار”.عندما نطق الاسم، شعرت بسكــ,,ـــــين يقسم صدـ,,ـــري إلى نصفين.

اسم أبه كان بالفعل فريد! خطيبي كان قد ذكر لي اسم أبيه مرة واحدة بالصدفة وأنا أسأله عن أوراقه الرسمية، لكنه قال حينها إن أبوه متوفى منذ سنوات طويلة وأن العلاقات مقطوعة. صرخت بكل ما أوتيت من قوة، صرخة هزت أركان البيت القديم. بكت الطفلة في يد جدي من أثر الصرخة، لكنني لم أستطع السيطرة على نفسي. انهمرت في بكاء هستيري، وأنا ألتف حول نفسي في الصالة، أضــ,,ـــــرب على صدـ,,ـــري وأسأل السماء:— ليه يا رب؟ ليه الذنب ده؟

أنا عملت إيه في حياتي عشان أصحى ألاقي نفسي بنت راجل هرب، وحملت من أخويا، وجبت بنت مش عارفة أقول عليها إيه ولا أسميها إيه؟!جدي وضع الطفلة بحرص على السر,,ـــــير الصغير الذي بناه بيده قبل أسابيع—السر,,ـــــير الذي كان يبنيه بفرحة وشوق منتظرًا حفيدته—ثم جاء إليّ وجثا على ركبتيه أمامي، وأمسك بيدي بقوة وقال والدموع تملأ تجاعيد وجهه:— استغفري ربنا يا بنتي!

استغفري ربنا.. أنتِ ما لكيش ذنب! أنتِ كنتِ جاهلة بالحقيقة، وربنا ما بيحاسبش على حاجة الإنسان ما يعرفهاش! الذنب ذنب الزمان، وذنب أبوه الندل، وذنب السكوت اللي سكتناه! بس دالوقت إحنا في مصيبة أكبر.. لازم نفكر هنعمل إيه في البنت دي؟ وفي حياتك أنتِ؟ نظرت إلى جدي بعينين مليئتين بالخوف والضياع، وقلت بصوت مرتجف:— هنعمل إيه؟ النتيجة قدامك اهي.. بنت مالهاش اسم، ومالهاش أب، ولو حد عرف السر ده هيترجمنا في الشارع! الخطوة الجاية إيه يا جدو؟ هنعيش إزاي بالعار ده؟

جدي نظر إليّ بنظرة جادة وحازمة، رغم الكسر الذي في عينيه، وقال:— البنت دي هتتربى هنا.. ومحدش في الدنيا دي كلها هيعرف السر ده غيري وغيرك! البنت دي هنسجلها باسم رجل متوفى أو نلاقي لها حل قانوني، لكن سر نسبها الحقيقي هيمــ,,ـــــوت في البيت ده! وقبل أن أتمكن من الرد، سمعنا صوت حركة غريبة خارج الباب.. صوت خطوات أقدام سريعة تبتعد عن الباب بلهفة ورعب، وكأن هناك شخصًا كان يقف خلف الباب يستمع لكل كلمة قيلت!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى