منوعات

يوم طلا.قى

خرجنا من المكتب، وأنا حاسة إن الحمل اللي على صدري أخف شوية. على الأقل، محدش طلب مني أعترف بحاجة ما عملتهاش. لكن قبل ما نوصل للعربية، جالي اتصال من أختي. قالتلي بقلق سلمى، فيه راجل واقف تحت البيت، وبيقول إنه زميل قديم ليكي من المستشفى. مصمم يقابلك، ومعاه ظرف باسمك. قلبي دق بسرعة. سألتها اسمه إيه؟ قالت كريم منصور. بعد أقل من ساعة، كنت قاعدة قدام كريم في صالة بيت أختي. كان شكله مختلف عن الصورة القديمة اللي شفتها في الملف. ملامحه بقت أكبر، وفي وشه آثار سنين صعبة، لكنه كان هادي وواضح إنه جاي لسبب مهم.

حط الظرف على الترابيزة وقال أنا آسف إني ماوصلتلكيش بدري يا دكتورة سلمى. لكن بعد ما التحقيق اتفتح، عرفت إن فيه مستند باسمك، وحسيت إن لازم أجيلك بنفسي. سألته إنت تعرف مين اللي حط التوقيع ده؟ رد بحذر ماقدرش أتهم حد من غير دليل. لكن عندي نسخة من خطاب قديم يثبت إن ملف الواقعة اتنقل من مكتب لمكتب، وإن فيه صفحات اتضافت بعد تاريخ إعداد التقرير الأصلي. فتح الظرف وطلع صورة من خطاب رسمي. كان فيه أرقام تسجيل وتواريخ مختلفة عن اللي موجودة في النسخة اللي اتعرضت عليّا.

عمر راجع الورقة، وبعدين قال الخطاب ده لازم يتقدم رسميًا للمحقق، علشان يتأكد من صحته ومصدره. كريم وافق، وبعدها بصلي وقال فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا ما رجعتش أطالب بحقي علشان أضر أحمد الكيلاني. أنا رجعت لأن اسمي اتشال من تقرير كنت ممكن أمـ,ـوت بسببه، ولأن ناس كتير صدقت رواية مش كاملة. سألته وإنت عرفت إني كنت بحاول أراجع المستندات؟ ابتسم ابتسامة حزينة. عرفت من ملاحظاتك القديمة. كنتِ الوحيدة اللي كتبت إن فيه اختلاف بين التوقيتات، وإن بعض البيانات محتاجة مراجعة. لو كنتِ سكتّي وقتها، كان ممكن محدش يرجع للملف ده تاني.

الكلام ده خلاني أفتكر قد إيه كنت وقتها مرهقة، وقد إيه كنت بحاول أعمل شغلي بأمانة وسط ضغوط ماكنتش فاهمة أسبابها. لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية. كريم طلع ورقة تانية، وقال أنا مش عارف إذا كانت الورقة دي مرتبطة بالتوقيع اللي ظهر باسمك، لكن لقيتها ضمن المستندات اللي احتفظت بيها قبل ما الملف يتقفل. كانت الورقة عبارة عن طلب مراجعة داخلي، مكتوب فيه إن فيه اختلافات في التقرير، وإن لازم يتم الرجوع للنسخة الأصلية قبل اعتماد أي نتيجة نهائية. وفي آخر الصفحة، كان فيه توقيع موظف مسؤول عن استلام الطلب. اسم الموظف كان اسم شخص أعرفه كويس.

كان شخص اشتغل مع أحمد لسنين طويلة، وكنت بشوفه باستمرار في المستشفى. بصيت لعمر وقلت أنا أعرف الراجل ده. بس مش فاهمة إيه اللي يخليه يغيّر مستندات بالشكل ده. عمر رد لسه ما نعرفش إذا كان غيّرها فعلًا، ولا كان مجرد مسؤول عن استلامها. لازم نسيب التحقيق يحدد ده. لأول مرة، بدأت أفهم إن الحقيقة مش دايمًا بتكون بسيطة زي ما بنتخيل، وإن وجود اسم شخص على ورقة مش معناه إنه مذنب. بعد يومين، وصلنا إخطار رسمي بنتيجة الفحص الأولي.

التوقيع الموجود على المستند المشكوك فيه لم يكن متطابقًا بشكل كافٍ مع نماذج توقيعي الأصلية، واحتاج الأمر لاستكمال الفحص الفني قبل إصدار نتيجة نهائية. أما الخطاب اللي قدمه كريم، فتم التأكد من وجود سجل إداري له، وبدأت اللجنة تراجع مسار انتقال الملف بين المكاتب. الخبر ده طمّنني، لكنه ما أنهى القضية. في المساء، أحمد اتصل بيا مرة تانية. المرة دي، ما ردتش عليه بعصبية، ولا حتى حسيت بالرغبة إني ألومه. قلتله لو عندك معلومة تخص المستند، قدمها للمحقق. أنا كمان هعمل كده. سكت طويلًا، وبعدين قال سلمى، أنا عارف إن اعتذاري مش هيصلح اللي عملته.

بس أنا بدأت أفهم إن المشكلة ما كانتش في إنك مش بتعرفي تشرحي نفسك. المشكلة إني ماكنتش بسمعك أصلًا. الجملة دي كانت أول اعتراف حقيقي منه بحجم اللي حصل بينا. لكن الاعتراف مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول. قلتله بهدوء أنا أتمنى لك إنك تتعلم من اللي حصل، يا أحمد. لكن حياتي مش هتفضل واقفة مستنية إنك تتغير. وقبل ما يقفل، قال فاهم. المرة دي، صدقته إنه على الأقل بدأ يفهم. بعد المكالمة، عمر لقاني واقفة عند الشباك، فوقف جنبي وسألني لسه زعلانة؟ ابتسمت وقلت مش عارفة.

يمكن زعلانة على السنين اللي ضيعتها وأنا بحاول أثبت إني أستحق المعاملة الكويسة. عمر رد ما تعاقبيش نفسك على اختيارات خدتيها وإنتِ بتحاولي تنجحي في جوازك. إنتِ كنتِ بتتصرفي على قد اللي كنتِ تعرفيه وقتها. بصيت له، وحسيت إن الكلام ده كنت محتاجة أسمعه من زمان. وبعدين سألته عمر، لو التحقيق أثبت إن أحمد كان ليه دور في اللي حصل، هتفضل واقف جنبي؟ رد من غير تردد هفضل جنبك طول ما إنتِ عايزاني جنبك. لكن مش هقرر مكانك، ومش هخلي ڠضبي من حد يحدد حياتك. ابتسمت. لأن الفرق بينه وبين أحمد ماكانش في الرتبة، ولا في الفلوس، ولا في النفوذ.

انت في الصفحة 6 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى