روايات

جوزى

وإزاي أقدر أفرحهم بالعيد وأنا مش عارفة حتى أجيب لهم لبس جديد؟ ده أنا كنت حاطة في دماغي إن أول يوم العيد هنخرج كلنا، وقبلها هنشتري لهم اللي نفسهم فيه، وكنت مستنية اللحظة دي من أول ما أيمن قالي إنه نازل يقضي رمضان والعيد معانا.
مديت إيدي ومسحت على شعر ابني، لقيته فتح عينه وبصلي وقال بنعاس:
– ماما، إنتِ بتعيطي ليه؟
مسحت دموعي بسرعة وابتسمت بالعافية.
– مفيش يا حبيبي، نام إنت بس.
– هو بابا زعلك ؟

السؤال وجعني أكتر من أي حاجة، لأن حتى وهما صغيرين كانوا حاسين إن في حاجة غلط، وإن أمهم اللي المفروض تكون فرحانة برجوع أبوهم بقت بتعيط في نص الليل.
حــ,,ـــــضنته وقلتله:
– نام يا حبيبي، ربنا يخليك ليا.
فضلت جنبه لحد ما نام تاني، وبعدها قمت دخلت أوضتي وقفلت الباب، وطلعت باقي دهبي اللي كنت محتفظة بيه. كان فاضل حتة صغيرة، كنت مخبياها للطوارئ، وكنت كل ما أبص عليها أقول دي لو احتجنا حاجة للعيال، أو لو حد تعب، أو لو الدنيا ضاقت بينا.
لكن اللي ضيق الدنيا عليا كان جوزي نفسه!

قعدت أبص للدهب وأنا بفكر، هو أنا هفضل أدفع تمن قرارات أيمن لحد إمتى؟ هو ليه شايف إن من حقه يقرر يتجوز، ومن حقي أنا إني أبيع دهبي وأشيل البيت وأخدم أهله وأسكت كمان؟ هو أنا اتجوزته عشان أبقى خدامة عنده وعند عيلته، ولا عشان أبقى مراته وشريكته في الحياة؟
تاني يوم صحيت من النوم على صوت العيال وهما بيسألوني عن لبس العيد. كانوا فرحانين، وكل واحد فيهم بيحكيلي نفسه في إيه، وأنا قلبي بيتقطع وأنا بسمعهم.
ابني قال لي:
– ماما، بابا هياخدنا نشتري اللبس النهارده؟
بصيتله وقلت:

– مش عارفة يا حبيبي، لما يصحى هنسأله
خرجت من الأوضة لقيت أيمن قاعد على الكنبة ماسك موبايله وبيضحك، كأن مفيش حاجة حصلت امبارح، وكأن مراته ما اتكسرتش قدامه، ولا باعت دهبها عشان خاطر أهله.
وقفت قدامه وقلتله:
– عايزة أتكلم معاك يا أيمن.
رفع عينه من الموبايل وقال بضيق:
– خير يا عواطف؟ هو إحنا لسه هنتكلم في الموضوع ده؟
– أيوه، لسه هنتكلم، لأنك لحد دلوقتي فاكر إن اللي عملته حاجة عادية. أنا مش هتكلم معاك عن الجواز نفسه، أنا هتكلم معاك عن الطريقة اللي عملت بيها كل ده.

إنت كنت مخطط من الأول، وسبتني أصرف من دهبي وأتعب نفسي وأشيل البيت لوحدي، وفي الآخر تيجي تقولي إنك استغليتني!
اتنهد وقال:
– يا ستي خلاص بقى، هو أنا قلت حد؟ ما أنا لسه ما اتجوزتش، بقولك هخطب في العيد، والجواز السنة الجاية. إيه المشكلة يعني؟
ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع، وقلتله:
– المشكلة إنك شايفني ولا حاجة يا أيمن. المشكلة إنك كنت قاعد بتاكل من تعبي، وإنت عارف إنك هتوجعني في الآخر.

المشكلة إنك خلتني أبيع دبلة وسلسلة، وأنا كنت فاكرة إني بعمل ده عشان بيتنا وعيالنا، لكن طلع أنا اللي بجهزك عشان تروح تخطب واحدة تانية!
اتغيرت ملامحه، وقام وقف قصادي وقال بنبرة تهديد:
– خلي بالك من كلامك يا عواطف، أنا مش ناقص نكد في الأيام دي. وبعدين أنا حر في فلوسي، وحر في جوازي، ومش هستأذن منك عشان أتجوز.
بصيتله وأنا مش مصدقة إنه بيتكلم بالسهولة دي، وقلتله:
– وأنا كمان ليا حق عليك.

أنا اللي وقفت جنبك، وأنا اللي استحملت غيابك، وأنا اللي ربيت عيالك وإنت بعيد، ولما رجعت بدل ما تعوضنا عن الغياب، خليتني أخدم أهلك وأصرف عليهم من دهبي. كنت فاكرة إنك وحشتك لمتنا، لكن إنت كنت جاي تخلص مصالحك وتمشي.
رد ببرود:
– أهو حصل خير، واللي راح راح، ومش عايز أسمع كلام في الموضوع ده تاني. أنا عندي مشاوير ومش فاضي.
راح ناحية الباب، لكن قبل ما يخرج سمع صوت بنتنا وهي بتناديه:
– بابا، إنت هتاخدنا نجيب لبس العيد؟
وقف لحظة، وبص لها، وبعدها قال:
– مش النهارده يا حبيبتي، عندي مشوار مهم.

جريت عليه ومسكت إيده وقالت:
– طب إمتى يا بابا؟ إنت وعدتنا.
شال إيدها من إيده بهدوء وقال:
– لما أفضى يا حبيبتي.
وخرج!
وقتها بنتي بصتلي، وبعدين بصت للباب، وسألتني بصوت صغير:
– هو بابا مش بيحب يقعد معانا يا ماما؟
السؤال ده كان كفيل يوقعني من طولي. نزلت لمستواها وحــ,,ـــــضنتها، وقلت لها:
– بابا بيحبكم يا حبيبتي.
لكن وأنا بقولها الكلام ده، كنت بسأل نفسي: لو بيحبهم، إزاي قدر يفرح نفسه ويفرح أهله، ويسيب عياله مستنيين وعده؟

عدى اليوم، وأيمن ما رجعش غير بالليل، ولما سألته عن فلوس لبس العيد قال لي إنه مشغول، وإنه هيتصرف بعدين. ساعتها فهمت إن لو فضلت مستنية وعوده، هفضل أنا وعيالي واقفين عند نفس الباب، نستنى منه حاجة هو مش ناوي يقدمها.
تاني يوم، صحيت بدري، ولبست العيال ونزلت بيهم. كنت معايا مبلغ بسيط من الفلوس اللي فضلت معايا، وقررت أجيب لهم لبس على قد اللي أقدر عليه. ما حبيتش أحسسهم إنهم أقل من أي طفل، ولا حبيت فرحتهم تضيع بسبب أبوهم.

انت في الصفحة 2 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى