
وقفت ورا باب المطبخ، وقلبي بيدق بسرعة. حتى وهو في بيته، وسط مراته وعياله، كان عايش حياته كأننا مش موجودين، وكأن اللي بينا مجرد واجب بيخلصه لما يفضى. بعد ما قفل التليفون، دخل لقى العيال بيلعبوا، فقعد معاهم شوية، وبعدها بصلي وقال: عواطف، اعمليلي حاجة أتعشا بيها. بصيتله وقلت: الأكل موجود في التلاجة، سخنه لنفسك. رفع عينه باستغراب، وكأنه أول مرة يسمع مني الرد ده. نعم؟ بتقولي إيه؟ بقولك الأكل موجود يا أيمن، وأنا تعبانة وهدخل أنام.
اتعصب وقال: إنتِ شكلك نسيتي نفسك، أنا لسه جوزك على فكرة! رديت بهدوء: وأنا لسه مراتك، بس مش خدامتك، والبيت ده فيه اتنين كبار يقدروا يشيلوا مسؤوليتهم. ما استنيتش رده، ودخلت أوضتي وقفلت الباب. كنت عارفة إن المواجهة دي مش هتعدي بسهولة، لكنه لازم يفهم إن الأيام اللي كنت بجري فيها عشان أرضيه مهما عمل، بدأت تنتهي. وفي الأيام اللي بعدها، بقيت أتعامل معاه في حدود الضروري، لا خناق ولا عتاب ولا محاولات إني أفهمه هو ليه ظلــ,,ـــــمني. كنت مركزة على شغلي، وعلى عيالي، وعلى إني أرتب أموري بعيد عن وعوده.
كلمت واحدة صاحبتي اسمها نهى، وحكيتلها اللي حصل وإن أيمن ناوي يخطب ويتجوز بعد ما خلاني أصرف كل اللي ورايا، اتعصبت جدًا وقالتلي: إنتِ إزاي مستحملة كل ده يا عواطف؟ ده مش بس عايز يتجوز، ده كمان عايزك تدفعي تمن جوازه من تعبك ودهبك! بصيتلها بوجع وقلت: أنا مش عارفة أعمل إيه يا نهى. أنا طول عمري معتبرة إن البيت ده بيتي، وإن فلوسه فلوسنا، وإن أي حاجة بنعملها بنعملها عشان عيالنا. لكن اكتشفت إني الوحيدة اللي بفكر بالطريقة دي. هو بيفكر في نفسه، وفي أهله، وفي مراته الجديدة، وأنا وعيالي آخر حاجة بتيجي في باله.
قالتلي بجدية: طيب وإنتِ ناوية تعملي إيه دلوقتي؟ سكت شوية، وبعدها قلتلها: مش عايزة أتهور، ولا عايزة أخرب بيتي بإيدي، لكن مش هقدر أفضل مستنية لحد ما يخلص على كل حاجة عندي. أنا محتاجة أأمّن نفسي وعيالي، وأعرف حقوقي، خصوصًا إنه ممكن في أي لحظة يقلب عليا ويمنع عني المصاريف. نهى هزت راسها وقالت: يبقى لازم تفكري بعقلك، مش بوجعك. وأهم حاجة ما تعمليش حاجة تضر موقفك لو الموضوع وصل لمحاكم أو مشاكل كبيرة.
كلامها فضل يرن في ودني، خصوصًا إني كنت بدأت أحس إن أي خطوة لازم تكون مدروسة كويس عشان أضمن حق عيالي من غير ما أخسره بطريقة تضني. بالليل، لما العيال ناموا، دخل عليا الأوضة وقعد على طرف السر,,ـــــير. عواطف، أنا عايز أفهم حاجة. بصيتله من غير ما أرد.
كمل كلامه: إنتِ متغيرة معايا من يوم ما قلتلك إني هخطب. لا بتسألي عليا، ولا بتهتمي بيا زي الأول، ولا حتى بقيتي تعمليلي الأكل زي زمان. إنتِ ناوية على إيه بالظبط؟
ضحكت بمرارة وقلتله: إنت مستغرب إني اتغيرت؟ طب كنت مستني مني إيه يا أيمن؟ كنت مستني إني أزغردلك وإنت بتقولي إنك هتتجوز عليا؟ ولا كنت مستني أبيع باقي دهبي وأجهزلك عزومة الخطوبة كمان؟ اتنهد بضيق وقال: رجعنا لنفس الكلام! أنا قلتلك إني حر في حياتي، ودي حاجة تخصني. وأنا قلتلك إنك حر في قراراتك، لكن مش حر تستغلني وتخليني أشيل مسؤولياتك، وبعدين لما أطالب بحقي تقولي نكدية. قام من مكان وقال بعصبية:
واضح إنك مش هتهدي غير لما تعملي مشاكل وتخربي البيت! بصيتله بثبات وقلت: لا يا أيمن، أنا كنت عايزة أعرف بس إذا كان ليا مكان في حياتك، ولا أنا مجرد واحدة موجودة في البيت عشان تخدمك وتربي عيالك. وإنت جاوبتني بنفسك يوم ما قلتلي إنك استغليتني. سكت لحظة، وبعدها خرج من أوضتي وقفَل الباب وراه بعنــ,,ـــــف.
فضلت قاعدة مكاني، وكنت حاسة إن المواجهة قربت، وإن وجود عيالي في النص بيخليني مسؤولة عن كل قرار هخده عشان أحفظ كرامتنا وحقوقنا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”فى رمضان ٣
تاني يوم الصبح، صحيت بدري قبل ما نور الفجر يظهر، وقلبي كان حاسس بثقل كبير كأن الدنيا كلها قاعدة على صدـ,,ـــري. بصيت في المراية لقيت آثار السهر واضحة على عيني، لكن المرة دي ما نزلتش دموعة ضعف زي كل مرة، بالعكس، حسيت بنبرة تحدي جوة روحي بتقولي إن الكأس طفح وإن السكوت مبقاش يجيب غير وجع جديد. جهزت العيال بسرعة، ولبستهم هدومهم النظيفة، وباسوا إيدي وهما مستغربين طريقتي الهادئة الصارمة.
ركبت التاكسي ومعايا العيال لحد بيت أمي، وهناك سلمتهم ليها وقلت لها بصوت مخنوق بس ثابت: “خليهم معاكي يا أمي، عندي مشوار مهم لازم أخلصه النهارده لنفسي وللعيال، ومش هتاخد وقت طويل.” أمي بصت لي بقلق وهي عارفة عيون بنتها كويس، وقالت بحنان: “ربنا معاكي يا بنتي، ويقويكي على ما أبلوا، اعملي الصح اللي يحفظ كرامتك وكرامة عيالك.”




