
تاني يوم الصبح، وأنا نازلة الشغل، لقيتها واقفة عند باب شقتها. كانت لابسة لبس خروج أنيق، وفي إيدها شنطة صغيرة. أول ما شافتني ابتسمت وقالت: — صباح الخير يا قمر! رديت بهدوء: — صباح النور. قربت مني وقالت: — معلش بقى على إزعاج امبارح، جوزك ذوق جدًا. بصيتلها في عينيها. — أيوه، جوزي محترم فعلًا. ابتسمت ابتسامة غريبة. — واضح إنه بيحب يساعد الناس. قولتلها: — بيحب يساعد الناس اللي فعلًا محتاجة مساعدة. ابتسامتها اختفت للحظة. لكنها رجعت تضحك وقالت: — إنتِ بتلمحي لحاجة؟ ابتسمت أنا كمان. — لا خالص، أنا بتكلم عادي. ومشيت. لكن قبل ما أوصل للأسانسير، سمعتها بتناديني.
— على فكرة، هو جوزك بيرجع من الشغل الساعة كام النهارده؟ وقفت. لفيتلها ببطء. — ليه؟ اتلخبطت وقالت: — لا، أصل كنت عايزة أسأله عن حاجة في الشقة. قولتلها بمنتهى الهدوء: — أي حاجة في شقتك ممكن تسألي فيها فني صيانة. لكن مواعيد جوزي مش من الحاجات اللي تخصك. وشها احمر. وقالت بسرعة: — إنتِ فهمتيني غلط! رديت: — أتمنى أكون فهمتك غلط فعلًا. ونزلت. لكن طول الطريق كنت بفكر في سؤالها. ليه مهتمة تعرف مواعيده؟ وليه بتحاول تستفزني بالطريقة دي؟ ولما رجعت من الشغل، حصل موقف أغرب. لقيت بنتي الصغيرة واقفة عند باب الشقة، وفي إيدها علبة شيكولاتة كبيرة. سألتها:
— مين جابلك دي؟ قالت ببراءة: — طنط اللي ساكنة قصادنا. اتضايقت. — وإنتِ خدتي منها حاجة ليه من غير ما تسأليني؟ قالت: — هي قالتلي دي هدية ليا ولأخويا. أخدت منها العلبة، وكنت لسه هدخل، لكن بنتي قالت جملة خلتني أتجمد. — ماما، هي طنط دي صاحبة بابا؟ بصيتلها باستغراب. — ليه بتقولي كده؟ قالت: — أصلها سألتني بابا بيحب ياكل إيه، وسألتني كمان إنتِ بتنامي بدري ولا بتسهري!
حسيت إن أعصابي بدأت تفلت مني. نزلت على ركبتي قدام بنتي وسألتها بهدوء: — وقالتلك إيه تاني؟ فكرت شوية وبعدين قالت: — قالتلي لما بابا يرجع من الشغل أبقى أقولها، عشان عندها مفاجأة ليه! مفاجأة؟! أي مفاجأة دي اللي واحدة غريبة بتحضرها لراجل متجوز وعنده عيال؟! وقفت مكاني وأنا ماسكة علبة الشيكولاتة. كنت على وشك أخبط على بابها وأواجهها. لكن فجأة غيرت رأيي. لا. المرة دي مش هتكلم. أنا عايزة أعرف هي ناوية على إيه بالظبط.
يوم السبت، وأنا بنضف الشقة، سمعت جرس الباب. استغربت، لأن الساعة كانت أربعة العصر. فتحت، ولقيت عامل توصيل واقف قدامي. سألني: — حضرتك صاحبة الشقة دي؟ قولت: — أيوه. مدلي ظرف صغير. — ده اتساب لحضرتك. بصيت على الظرف. مكنش عليه اسم. سألته: — مين اللي بعته؟ قال: — واحدة من العمارة، قالتلي أوصله للشقة دي وأنا طالع. أخدت الظرف وقفلت الباب. فتحته. لقيت جواه ورقة صغيرة مكتوب فيها: “خلي بالك من بيتك كويس… مش كل الناس اللي بتدخل حياتكم نيتها بريئة.”
فضلت واقفة وأنا بقرأ الجملة أكتر من مرة. مين اللي كتبها؟ وليه بعتها بالطريقة دي؟ هل فيه حد تاني واخد باله من تصرفات جارتنا؟ ولا هي نفسها اللي باعتاها علشان تستفزني؟ حطيت الورقة في درج أوضتي، وقررت ما أقولش لجوزي دلوقتي. كنت محتاجة أفهم الأول. وفي نفس الليلة، وأنا بنزل أرمي كيس الزبالة، قابلت الست الكبيرة اللي ساكنة في الدور اللي تحتنا. بصتلي نظرة غريبة وقالت: — معلش يا بنتي، ممكن أقولك كلمة من غير ما تزعلي؟
قولتلها: — اتفضلي. قربت مني ووطّت صوتها. — خلي بالك من الجارة اللي قصادك. حسيت إن قلبي دق بسرعة. سألتها: — ليه؟ بصت حواليها علشان تتأكد إن محدش سامع. وبعدين قالت: — الست دي مش أول مرة تعمل الحركات دي. اتصدمت. — يعني إيه؟ قالت: — أنا شفتها قبل كده في العمارة اللي كانت ساكنة فيها أختي. فتحت عيني باستغراب. — إنتِ تعرفيها؟ هزت راسها. — مش معرفة شخصية، بس فاكرة وشها كويس. وكانت فيه مشكلة كبيرة حصلت بسببها.
سألتها بسرعة: — مشكلة إيه؟ كانت هترد، لكن فجأة سمعنا صوت باب بيتفتح فوقينا. رفعت الست عينيها ناحية السلم، ووشها اتغير. همستلي: — مش هنا. تعاليلي بكرة الصبح وأنا أحكيلك. وبعدين مشيت بسرعة. طلعت شقتي وأنا حاسة إن الموضوع بقى أكبر من مجرد جارة بتعاكس جوزي. كانت فيه حكاية مستخبية. وحاجة بتتكرر. والست دي واضح إنها مش جاية العمارة بالصدفة! يوم الأحد الصبح، خدت قرار نهائي. أنا مش هفضل قاعدة أستنى هي هتعمل إيه.
لكن كمان مش هتصرف بعصبية. جهزت كام حاجة بسيطة، واتكلمت مع جوزي بصراحة. قولتله: — أنا سمعت اللي حصل يوم الخميس. بصلي باستغراب. — سمعتي إيه؟ — سمعتها وهي بتعرض عليك تقعد معاها. اتنهد وقال: — كنت عارف إنك ممكن تسمعي، وعشان كده مكنتش عايز أكبر الموضوع. قولتله: — بس كان لازم تقولي. سكت لحظة، وبعدين رد: — معاكي حق. أنا غلطت إني مخبتش عنك من الأول كل حاجة. بس صدقيني، أنا من وقتها واخد قرار إني مش هساعدها تاني.
