منوعات

جوزى كان بيخونى

دينا بصت لهشام، لكنه ما ردش. فقالت بسرعة يعني أختها من العيلة، إحنا متربيين مع بعض. نادية هزت راسها، لكنها ما علقتش. بعد دقائق، وصل الإسعاف، ونقلوني للمستشفى، وهشام أصر يركب معايا. لكن قبل ما العربية تتحرك، نادية قالت له الأفضل تيجي ورا الإسعاف، أنا هروح معاها. اعترض فورًا أنا جوزها، ومش من حق حد يمنعني أكون جنبها! ردت بهدوء محدش منعك. لكن أنا كمان عندي شغل لازم أخلصه، والحاج محمود موصيني شخصيًا إني ما أسيبش حفيدته لوحدها في أي ظرف. اسم جدي كان كفيل يخلي هشام يسكت. ركبت نادية جنبي، ومسكِت إيدي طول الطريق.

وأنا في العربية، وسط صوت الأجهزة وحركة المسعفين، بدأت الصور ترجعلي بشكل متقطع. شفت نفسي في مكتب جدي. شفت هشام واقف قدام مكتبي، وبيطلب مني أمضي على مجموعة أوراق. شفت دينا قاعدة معاه، وبتقوله إن لازم نخلص الموضوع قبل ما الحاج محمود يكتشف حاجة. وبعدين سمعت صوت جدي وهو بيزعق إنتوا فاكرين إن ياسمين لوحدها؟ دي بنتي قبل ما تكون حفيدتي، وأنا عارف هي بتفكر إزاي! فتحت عيني فجأة، وصړخت الورق! نادية قربت مني. ورق إيه يا ياسمين؟ لكن الصورة اختفت من دماغي بنفس السرعة اللي ظهرت بيها. فضلت أعيط، وأنا مش قادرة أفهم إيه اللي بيحصل.

نادية طبطبت على إيدي وقالت ما تضغطيش على نفسك. أهم حاجة دلوقتي إنك تبقي بخير، وكل حاجة ليها وقتها. وصلنا المستشفى، وبعد الكشف والأشعة، الدكتور أكد إن عندي إصابة في الرأس محتاجة متابعة دقيقة، وإن لازم أفضل تحت الملاحظة. وأثناء ما الممرضة كانت بتجهزني، دخل هشام أخيرًا. قرب مني، وحاول يمسك إيدي، لكني سحبتها منه من غير ما أفكر. كانت حركة بسيطة، لكنها خلته يبصلي باستغراب. قال بصوت ناعم مصطنع حبيبتي، أنا هنا. مټخافيش، أنا جنبك. بصيت له، وقلت لأول مرة من سنين إنت اللي خوفتني. سكت المكان كله. هشام حاول يضحك. إنتِ لسه تعبانة يا ياسمين، ومش مركزة.

لكن نادية كانت واقفة عند الباب، وسمعت كل كلمة. قالت له سيبها ترتاح دلوقتي، يا أستاذ هشام. الكلام ممكن يستنى. خرج هشام وهو بيبصلي نظرات مليانة ڠضب، لكني المرة دي ما نزلتش عيني. بعد شوية، لما بقيت لوحدي مع نادية، سألتها هو جدي فين؟ وشها اتغير. فضلت ساكتة ثواني طويلة، وبعدها قالت الحاج محمود توفاه الله من سنة ونص يا ياسمين. حسيت كأن حد سحب الأرض من تحتي. إيه؟! أنا آسفة يا حبيبتي. كنت أتمنى تعرفي بطريقة أهدى من كده. دموعي نزلت من غير ما أحس. جدي ماټ، وأنا حتى مش فاكرة آخر مرة شفته فيها.

ما عرفتش إذا كنت حضرت جنازته ولا لأ، ولا إذا كنت بكيت عليه، ولا إذا كنت واقفة جنبه وهو بيمرض. كل الذكريات اللي كنت أتمنى أعيشها معاه مرة تانية، كانت ضاعت مني. لكن نادية كملت كلامها قبل ۏفاته بفترة، جدك طلب مني أجهز شوية إجراءات تخص ممتلكاته وشركاته، وكان مصمم إنك تكوني صاحبة القرار في كل حاجة تخص نصيبك. وبعد الحاډثة، حاولت أتواصل معاكي أكتر من مرة، لكن كل مرة كان جوزك يقول إن حالتك الصحية مش مستقرة، وإنك مش قادرة تستقبلي حد. سألتها وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي يعني إنتِ كنتِ عارفة إني عايشة بالشكل ده؟

نادية نزلت عينيها بحزن. كنت شاكّة إن فيه حاجة غلط، لكن ما كانش عندي دليل. كل التقارير الطبية اللي كانت بتوصلني كانت بتقول إنك محتاجة رعاية مستمرة، وجوزك كان بيقدم نفسه باعتباره الشخص الوحيد المسؤول عنك. ولما طلبت أشوفك أكتر من مرة، كان بيرفض بحجة إن الزيارات بتتعبك. افتكرت كل مرة كان هشام يمنعني فيها من زيارة أهلي، وكل مرة كان يقول لي إنهم مشغولين عني، وإن محدش بيسأل عليّا. سألتها وأبويا؟ هو ما سألش عني؟ نادية اترددت قبل ما تجاوب. والدك زارك أكتر من مرة في أول شهور بعد الحاډثة، وبعدها حصل خلاف كبير بينه وبين هشام.

ومن وقتها، التواصل بينكم قل جدًا. حسيت بغصة في حلقي. أنا عايزة أشوفه. نادية مسكت إيدي. هحاول أوصله، لكن قبل أي حاجة، لازم تعرفي إن فيه موضوع تاني جدك كان قلقان منه جدًا. بصيت لها بترقب. فتحت الملف الجلدي الليانت جايباه، وطلعت منه صورة قديمة ليا أنا وجدي في مكتبه. كنت لابسة بدلة بيضا، وبضحك وأنا واقفة جنبه، وهو حاطط إيده على كتفي. أول ما شفت الصورة، رجعلي مشهد واضح. أنا قاعدة قدام جدي، وبراجع معاه أوراق شركة كبيرة من شركات العيلة. جدي بيقولي يا ياسمين، أنا مطمن طول ما إنتِ بتراجعي الحسابات بنفسك.

بس فيه ناس فاكرة إن الفلوس أهم من العيلة، ودي مصېبة. كنت برد عليه متقلقش يا جدي، أنا مش همضي على حاجة غير لما أفهمها. وبعدين افتكرت إنه سحب درج مكتبه، وطلع منه ظرف أبيض. قال لي لو حصل لي حاجة، خلي بالك من الملف الأزرق. مش كل اللي بيضحكوا في وشك بيحبّوكي. رجعت للحاضر وأنا بتنهج. الملف الأزرق! جدي كان عنده ملف أزرق! نادية اعتدلت في قعدتها بسرعة. إنتِ فاكرة مكانه؟ غمضت عيني وحاولت أركز. مش متأكدة… بس فاكرة إن فيه حاجة تخص الشركة، وتوقيع… توقيع مش بتاعي!

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى