
طب والله لأخليكي تندمي على اليوم اللي فكرتي فيه تعلي صوتك عليّ. خرج من الأوضة، وثريا كانت واقفة بره وسمعت كل حاجة، فابتسمت لنفسها، لأنها أخيرًا بدأت تشوف هدير بتنهار، لكن في نفس الوقت خافت من حاجة واحدة: إن هدير لو فضلت ساكتة، ممكن في يوم تفوق وتطالب بحقوقها.
عشان كده، قررت ثريا إنها تسرّع خطتها، وبدأت تزن على صلاح إنه لازم يخلي هدير تسيب البيت، بحجة إن وجودها بقى مصدر مشاكل وإن العيال محتاجين يعيشوا في هدوء. وفي ليلة، بعد ما صلاح رجع من خروجة طويلة مع ثريا، لقى هدير قاعدة في الصالة، وحواليها ورق العيال وأوراق المدرسة، وكانت بتحاول تحسب مصاريفهم اللي بقت مش مكفية بسبب إن صلاح بدأ يقلل الفلوس اللي بيديها لها، وفي المقابل بقى يصرف على ثريا من غير حساب.
قعد قدامها وقال ببرود:- بصي يا هدير، أنا تعبت من المشاكل دي، وإنتِ مش عايزة تتأقلمي مع الوضع الجديد، وأنا شايف إن الأحسن إنك تشوفي لك مكان تاني تعيشي فيه. هدير رفعت راسها ببطء، وحست إن الكلام اللي كانت خايفة تسمعه طول الشهور اللي فاتت بقى حقيقة. قالت له:
– مكان تاني؟ يعني إيه يا صلاح؟ عايزني أسيب بيتي وبيت عيالي وأمشي؟رد من غير ما يبصلها:- أيوه، البيت بقى ملكنا إحنا الاتنين، وثريا مش مرتاحة في وجودك، وأنا مش هفضل كل يوم في مشاكل بسببك. هدير ضحكت ضحكة قصيرة مليانة قهر، وقالت:- بيتنا إحنا الاتنين؟
إنت نسيت إنك كنت متجوزني قبليها بسنين؟ نسيت إن عيالك اتولدوا واتربوا هنا؟ ولا عشان فتحت الشقتين على بعض، بقيت فاكر إنك تقدر تمسح عمري كله بكلمة؟صلاح اتضايق وقال:- بلاش الكلام الكبير ده، أنا بقول لك اللي فيه مصلحتك، خدي عيالك وروحي عند أهلك لحد ما نشوف هنعمل إيه. هدير قامت ووقفت قدامه، ولأول مرة ما نزلتش عينيها في الأرض.- أنا مش همشي من بيتي يا صلاح، ولو إنت شايف إنك مش عايزني، فيه قانون وفيه حقوق، وأنا مش هسيبك تضيّع حقي وحق عيالك عشان واحدة قدرت تسيطر على عقلك.
الكلام نزل عليه كالصاعقة، لأنه ما كانش متخيل إن هدير اللي سكتت كل السنين دي ممكن تقف قصاده بالشكل ده. أما ثريا، اللي كانت بتسمع من ورا الباب، فوشها اتقلب، لأنها فهمت إن اللعبة اللي كانت فاكرة إنها كسبتها خلاص، لسه ما انتهتش، وإن هدير اللي كانت بتعاملها على إنها خدامة، ممكن تبقى أكبر عقبة في طريقها. ومن هنا بدأت ثريا تفكر في طريقة تانية، مش بس عشان تطرد هدير من البيت، لكن عشان تخلي صلاح نفسه هو اللي يكرهها ويجبرها تمشي بإرادتها… من غير ما تحتاج هي تطلب منه ده مرة تانية
هدير فضلت طول الليل تفكر في كلام صلاح، وكل كلمة قالها كانت بتوجعها أكتر من اللي قبلها، مش عشان هو طلب منها تمشي وبس، لكن عشان اكتشفت إن الراجل اللي عاشت معاه سنين وخلفت منه عياله، مستعد يرميها في الشارع عشان يرضي واحدة تانية، وكأن عمرها معاه كان غلطة وهو بيحاول يتخلص منها. بصت لعيالها وهما نايمين جنب بعض، ودموعها نزلت غصب عنها، خصوصًا لما ابنها الصغير صحي من تعبه وناداها بصوت ضعيف:
ماما، أنا عايز أشرب. قامت جابت له المية، وساعدته يشرب، وبعدها مسحت على شعره وباسته في جبينه، وهو سألها ببراءة: هو بابا زعلان منك يا ماما؟ السؤال كان كفيل إنه يكسر آخر حاجة متماسكة جواها، لكنها ابتسمت بالعافية وقالت له: نام يا حبيبي، بابا مش زعلان من حد، إنت بس خليك كويس. رجع نام، إنما هي فضلت قاعدة جنبه لحد الفجر، ولما أذان الصبح أذن، قامت صلت، وبعدها أخدت قرار كانت مأجلاه سنين بسبب خوفها على بيتها وعيالها. مش هتسيب حقها يضيع أكتر من كده.
استنت لحد ما صلاح خرج من البيت، وثريا خرجت وراه وهي بتضحك وبتتكلم معاه بدلع، وبعد ما اتأكدت إنهم مشيوا، دخلت أوضتها وطلعت علبة صغيرة كانت مخبية فيها أوراق جوازها، وشهادات ميلاد عيالها، وأي ورق يثبت حقوقها. لمت الورق في شنطتها، ولبست عبايتها، وبعدها راحت لأمها. أول ما أمها شافتها، استغربت من شكلها الشاحب، وقالت لها بقلق: مالك يا بنتي؟ إنتِ وشك مخطوف كده ليه؟ حصل إيه؟
هدير قعدت جنبها، وحكت لها كل حاجة من أول ما صلاح فتح الشقتين على بعض، لحد ما طلب منها تسيب البيت وتمشي بعيالها. أمها كانت بتسمع وهي حاطة إيدها على قلبها، وكل شوية تقول: يا نهار أسود! هو صلاح وصل بيه الحال لكده؟ ده إنتِ شيلتيه في عينيكي، وعمرك ما قصرتي معاه ولا مع عياله! هدير مسحت دموعها وقالت: عياله يا أمي، عياله اللي هو مش بيسأل حتى إذا كانوا أكلوا ولا لأ، واللي لو واحد فيهم تعب، بيبقى أهم عنده إنه يرضي ثريا ويخرجها. أنا مش عارفة إزاي الراجل بيتغير كده، وإزاي يهون عليه العمر كله!


