
أمها قربت منها وقالت بحزم: طيب وإنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟ هدير رفعت راسها، وقالت لأول مرة من شهور بنبرة فيها إصرار: هروح لمحامي يا أمي. أنا مش عايزة أظلم حد، ولا عايزة آخد حاجة مش من حقي، بس مش هسمح لحد يرميني أنا وعيالي في الشارع. صلاح فاكر إني هخاف وأسكت زي كل مرة، بس المرة دي لأ. أنا عايزة أعرف حقي إيه، وإزاي أضمن إن عيالي ما يضيعوش بسبب أبوهُم.
أمها مسكت إيدها وقالت: وأنا معاكي يا بنتي، ومش هسيبك لوحدك. إنتِ غلطتي لما فضلتي تستحملي كل ده من غير ما تحطي حد للي بيحصل، لكن لسه قدامك فرصة تصلحي الوضع. بس خلي بالك، ما تعمليش أي خطوة من غير ما تعرفي حقك بالقانون. هدير هزت راسها، وبعدها خرجت من عند أمها وراحت لمكتب محامي قريب من منطقتهم. دخلت المكتب وهي متوترة، ولما المحامي طلب منها تحكي اللي حصل، بدأت من أول جوازها من صلاح، وحكت له عن الشقة اللي كانت عايشة فيها، وعن فتح الشقتين على بعض، وعن طلبه الأخير إنها تسيب البيت.
المحامي سمعها باهتمام، وبعدها سألها: الشقة اللي كنتِ عايشة فيها قبل ما الشقتين يتفتحوا، ملك مين بالضبط؟ باسم جوزك ولا باسم حد تاني؟ هدير ردت: على حد علمي هي باسم صلاح، وأخوه كان بايع له شقته، وبعدها صلاح فتح الشقتين على بعض. بس أنا مش فاهمة، هو كده يقدر يطلعني من البيت عادي؟
المحامي وضح لها إن الموضوع محتاج مراجعة أوراق الملكية، وإن فتح الشقتين على بعض مش معناه تلقائيًا إن حقوقها القانونية ضاعت، ولا إن صلاح يقدر يخرجها من مسكن الزوجية بالطريقة اللي هو عايزها. وشرح لها إن حقوقها وحقوق أولادها بتتحدد حسب ظروفهم وأوراقهم، وإنه لازم يراجع المستندات قبل ما يحدد لها الإجراءات المناسبة. وبعد ما سألها عن أولادها، ومصاريفهم، وطريقة تعامل صلاح معاهم، قال لها:
بصي يا مدام هدير، أهم حاجة دلوقتي إنك ما تمضيش على أي ورقة، وما تتنازليش عن أي حق تحت ضغط أو تهديد. هاتِ لي صور الأوراق اللي معاكي، وهنراجع موقفك القانوني، ونشوف أنسب إجراء يحفظ حقوقك وحقوق أولادك. ولو فيه امتناع عن الإنفاق أو تهديد بإخراجك من المسكن، هنحدد التصرف القانوني المناسب بناءً على التفاصيل. هدير كانت بتسمعه وهي حاسة إن لأول مرة من سنين فيه حد بيتكلم معاها على إنها إنسانة ليها حقوق، مش مجرد زوجة مطلوب منها تستحمل وتسكت. سألته بقلق:
يعني ممكن صلاح يطردني فعلًا يا أستاذ؟ رد عليها بهدوء: أنا مش هقدر أوعدك بنتيجة قبل ما أشوف الأوراق، لكن أقدر أقول لك إنك ما ينفعش تتنازلي عن حقوقك لمجرد إنه بيهددك. وكونه متجوز اتنين أو فتح الشقتين على بعض مش كفاية لوحده عشان نحدد مين له الحق في إيه. كل حاجة لازم تتراجع قانونيًا. هدير شكرت المحامي، وخرجت من المكتب وهي حاسة إن الحمل اللي فوق صدرها خف شوية. هي لسه ما كسبتش قضية، ولسه ما رجعتش حقها، لكن على الأقل بقت عارفة إنها مش مضطرة تواجه صلاح وثريا بإيديها الفاضية.
رجعت البيت قبل ما صلاح يوصل، وخبت الأوراق في مكان آمن، وبعدها بدأت ترتب مصاريف عيالها وتجمع كل ما يثبت احتياجاتهم والمبالغ اللي كانت بتصرفها عليهم. وفي المساء، رجع صلاح لقى هدير قاعدة في الصالة، وعيالها حواليها بيذاكروا، فدخل وهو متعصب وقال: إنتِ لسه قاعدة هنا؟ مش أنا قلت لك تشوفي لك مكان تاني؟ هدير رفعت عينيها له بهدوء وقالت: وأنا قلت لك إني مش همشي من بيتي وبيت عيالي لمجرد إنك طلبت مني كده.
صلاح قرب منها وقال بحدة: إنتِ فاكرة إنك لما تعاندي معايا هتكسبي؟ أنا قادر أخلص الموضوع ده في يوم وليلة! هدير ردت من غير ما صوتها يهتز: خلّصه بالقانون يا صلاح، وأنا كمان هعرف حقي بالقانون. أنا مش هسيبك تضيع حقي وحق عيالك، ومش هتنازل عن أي حاجة تحت تهديدك. صلاح اتجمد مكانه، وبص لها باستغراب، وكأنه مش مصدق إن الست اللي كان بيزعق لها فتنزل عينيها وتدخل أوضتها، بقت بترد عليه بالشكل ده:
إنتِ بتتكلمي كده على أساس إيه؟ مين اللي حط الكلام ده في دماغك؟ هدير بصت له وقالت: محدش حط حاجة في دماغي. أنا بس عرفت إن السكوت مش دايمًا بيحافظ على البيوت، وإن ساعات السكوت بيخلي اللي قدامك يفتكر إن مالكش حق أصلًا. في اللحظة دي، ثريا خرجت من أوضتها بعدما سمعت صوتهم، ولما فهمت إن هدير مش ناوية تمشي، بصت لصلاح وقالت بغيظ: إنت هتفضل واقف تسمع لها؟ ما تخلصنا منها بقى! هي فاكرة نفسها هتعمل لك حاجة يعني؟
صلاح بص لثريا، وبعدها رجع بص لهدير، وكان واضح إنه ممزق بين رغبته في إرضاء ثريا وبين خوفه من إن الموضوع يكبر ويتحول لمشكلة قانونية. أما هدير، فقامت ولمت كتب عيالها وقالت: أنا مش هتكلم أكتر من كده. لما تحب تتكلم في حقوقي وحقوق عيالك باحترام، أنا موجودة. إنما التهديد والطرد، خلاص يا صلاح، مش هيسكتوني تاني. ودخلت أوضتها وقفلت الباب بهدوء.

