
هدير سكتت، مش خوفًا من ثريا قد ما كان خوفها على ولادها، لأنها عارفة إن صلاح بقى شخص تاني، وإنه مستعد يصدق أي كلمة تقولها ثريا حتى لو كانت شايفاه بعينيها بيظلما هى وعياله دخل صلاح المطبخ في اللحظة دي، فثريا غيرت ملامحها بسرعة، وراحت ناحيته بدلع وقالت:- صباح الخير يا حبيبي، أنا من الصبح بطلب من هدير تعملنا فطار، وهي مش راضية وبتقول لي اعملي لنفسك.
صلاح بص لهدير بحدة:- الكلام ده صحيح؟هدير اتصدمت من إنه سألها بالشكل ده، وقالت:- يا صلاح، أنا من الصبح بجهز فطار العيال، وهي طلبت مني أعمل لها أكل مخصوص، وأنا قلت لها تستنى شوية لحد ما أخلص. صلاح رد بعصبية:- وإيه يعني لما تستنى شوية؟ هو إنتِ هتخسري إيه لما تعملي لها اللي هي عايزاه؟ مش إحنا اتفقنا إنكم تعيشوا مع بعض من غير مشاكل؟هدير قالت بوجع:- اتفقنا نعيش من غير مشاكل، مش اتفقنا إني أبقى مسؤولة عن أكلها وشربها وخدمتها!
دي مراتك يا صلاح، مش أمي ولا أختي، والمفروض انها تساعدنى صلاح ض.رب بإيده على الترابيزة وقال:- أنا مش عايز أسمع الكلام ده تاني! من النهارده مفيش حاجة اسمها شقتي وشقتها، البيت بيت واحد، وكل واحدة فيكم تساعد التانية، ومش هسمح لك تعملي مشاكل عشان حاجات تافهة بس ثريا مالهاش فى شغل البيت ده اصلا عشان كده انا فتحت الشقتين ثريا وقفت وراه، وبصت لهدير بنظرة انتصار، كأنها بتقول لها: شوفتي؟
أنا اللي بكسب في الآخر. هدير بلعت وجعها وسكتت، وراحت تكمل الفطار، لكن من اليوم ده ثريا بدأت تزود طلباتها يوم بعد يوم. مرة تصحى تقول إنها عايزة محشي، ومرة تطلب فراخ محشية ورز معمر، ومرة ترفض الأكل كله وتقول إنه مش على مزاجها، وتخلي هدير تدخل المطبخ من أول وجديد.
ولو هدير اتأخرت أو تعبت، كانت ثريا تروح لصلاح وتشتكيله، وهو بدل ما يحط حد لمراته، كان ييجي على هدير ويزعق فيها. والأصعب من الأكل والشغل، إنها بدأت تستغل ولادها كانت ترمي عيالها عند هدير من الصبح، وتسيبهم لحد آخر الليل، ولو طفل عيط أو طلب حاجة، كانت هدير هي اللي تشيله وتهديه وتاكله، بينما ثريا قاعدة في أوضتها بتتفرج على التلفزيون أو خارجة مع صلاح.
وفي يوم، ابن هدير الصغير سخن جدًا، وكانت هدير طول الليل صاحية جنبه، بتعمل له كمادات وتحاول تنزل حرارته، ولما الصبح طلع، لقت ثريا واقفة على باب أوضتها وبتقول لها:- هدير، أنا عايزة منك تعملي الغدا بدري النهارده، عشان صلاح وعدني يخرجني، ومش عايزة أتأخر عليه. هدير كانت عينيها حمرا من السهر، فقالتلها:- مش هقدر النهارده، ابني تعبان وأنا لازم آخده للدكتور. ثريا عقدت حواجبها وقالت:- وإيه علاقة ده بالغدا؟ ما عندك عيال كتير، اتصرفي، وبعدين أنا ماليش دعوة بابنك تعبان ولا سليم، أنا عايزة أكلي في معاده.
هدير بصتلها بذهول:- إنتِ بتتكلمي بجد؟ ابني سخن من امبارح، وأنا ما نمتش، وإنتِ كل اللي شاغلك الغدا والخروجة؟ثريا ردت ببرود:- أيوه، لأن دي حياتي، ومش هعطلها عشان كل شوية حد من عيالك يمرض. هدير ما استحملتش، ودخلت أوضتها وقفلت الباب، وفضلت تبكي وهي باصة لابنها اللي نايم بتعب.
كانت محتاجة حد يطبطب عليها، حد يقول لها إنه حاسس بيها، لكنها للأسف كانت عايشة وسط ناس شايفين تعبها واجب، ووجعها دلع، وحقوقها حاجة ممكن تتنازل عنها في أي وقت. ولما صلاح رجع من بره، ثريا استقبلته بوش حزين، وقالت له إن هدير قفلت الباب في وشها ورفضت تعمل الغدا، وإنها بتتعمد تبوظ عليها يومها.
صلاح دخل على هدير من غير ما يسأل حتى عن ابنه، وصرخ فيها:- إنتِ إيه اللي إنتِ بتعمليه ده؟ هو كل يوم مشكلة؟ مش قولت لك تساعدي ثريا وتراعيها؟هدير كانت قاعدة جنب ابنها، رفعت عينيها له وقالت بصوت مبحوح:- ابني تعبان يا صلاح، حرارته عالية من امبارح، وأنا عايزة آخده للدكتور. إنت حتى ما سألتش عليه!بص صلاح ناحية الطفل للحظة، وبعدها رجع لها وقال:- هوديه للدكتور لما أفضى، إنما دلوقتي قومي اعملي الغدا، أنا مش ناقص صداع. هدير قامت من مكانها ببطء، وبصت له كأنها بتشوفه لأول مرة، وقالت:- إنت بقيت إيه يا صلاح؟
إنت أبو عيالي، المفروض تكون سند لينا، مش تيجي عليّ عشان ترضي واحدة تانية. أنا مش طالبة منك تحبني، ولا حتى تعاملني زي الأول، أنا كل اللي بطلبه إنك تسيبني أربي عيالي في سلام. صلاح اتعصب من كلامها، ورفع إيده عليها، لكن هدير المرة دي رجعت لورا وح.ضنت ابنها، وقالت له بصوت عالي:- إوعى تمد إيدك عليّ تاني يا صلاح! أنا سكت كتير، وسكوتي مش معناه إني ضعيفة، ولا معناه إنك تقدر تعمل فيا اللي إنت عايزه. صلاح اتفاجئ من رد فعلها، لأنه اتعود إنها تعيط وتسكت، لكنه ما حبش يبان إنه اتراجع قدامها، فقال بتهديد:- إنتِ بتتحديني يا هدير؟



