
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني إن أختي في المستشفى بين الحياة والمـ,ـوت، وأنا واقفة قدام واحد ممكن يكون السبب في كل المصايب اللي حصلت لنا. مسكت العلبة بقوة وقلت: — مش هتاخد حاجة، ولو الورق ده فيه دليل على اللي عملته، هسلمه للشرطة بنفسي. اتغير وشه. — إنتِ مش فاهمة إنتِ بتلعبي مع مين. قلت: — فاهمة كويس… بلعب مع واحد فاكر إن الفلوس تقدر تشتري ضمير الناس وتسكتهم. قرب مني بسرعة وحاول يشد العلبة من إيدي. صرخت، وأبويا مسكه من دراعه. — إياك تلمس بنتي! حصل بينهم شد وجذب، والعلبة وقعت من إيدي على الأرض. اتفتحت، واتناثرت الصور والأوراق.
انحنيت بسرعة ألمها، لكن عيني وقعت على حاجة غريبة. كان فيه مفتاح صغير مربوط بشريط أحمر، وتحت المفتاح ورقة مكتوب عليها بخط أمي:«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، دوري على المكان اللي كنت بخبي فيه أحلامكم.» وقفت مكاني. المكان اللي كانت أمي بتخبي فيه أحلامنا؟ افتكرت فورًا صندوق خشب قديم كان عندنا في البيت. أمي كانت بتحط فيه صورنا وإحنا صغيرين، وشهادات نجاحنا، ورسومات أختي، وكل حاجة كانت بتقول إنها ذكرى حلوة. الصندوق ده كان في أوضتها، ومحدش فتحه من يوم وفاتها. لكن قبل ما أتحرك، الراجل لمح المفتاح في إيدي. وشه اتغير بطريقة مرعبة. — إنتِ لقيتي المفتاح ده فين؟!
بصيتله وقلت: — واضح إنك عارف بيفتح إيه! مد إيده تاني. — اديني المفتاح! رجعت لورا. — مش هتاخده. وفجأة، سمعت صوت جوز أختي من عند الباب: — ابعد عنها يا بابا! التفتنا كلنا. كان واقف على باب الشقة، ووشه مليان غضب. بص لأبوه وقال: — أنا حذرتك قبل كده متقربش من مراتي ولا من أختها! أبوه حاول يتماسك. — إنت سايب مراتك في المستشفى وجاي تتخانق مع أبوك علشان شوية ورق؟! رد عليه بصوت عالي: — مراتي في المستشفى بسبب تعبها ومضاعفات الولادة، وإنت بدل ما تدعيلها، روحت تهددها قبل العملية! أنا عرفت كل حاجة! الراجل اتجمد.
— مين قالك الكلام الفارغ ده؟ — هي اللي قالتلي… وقالتلي كمان إنك كنت بتضغط عليها علشان تسلمك العلبة الزرقا! أبوه حاول يضحك. — دي تعبانة ومش عارفة بتقول إيه. جوز أختي قرب منه وقال بحزم: — متتكلمش عنها بالطريقة دي. مراتي واعية وفاهمة كل كلمة قالتها، وأنا مصدقها. لأول مرة أشوفه واقف قدام أبوه بالشجاعة دي. طول عمره كان بيحترمه، حتى بعد ما عرف إنه متورط في موضوع الفلوس. لكن المرة دي كان مختلف. بصلي وقال: — خدي الورق والمفتاح، وامشي. أنا بلغت الشرطة إن فيه تهديدات حصلت لمراتي، وطلبت منهم يسمعوا أقوالها لما حالتها تسمح. أبوه صرخ:
— إنت بلغت عن أبوك؟! رد عليه: — بلغت عن تهديد، والجهات المختصة هي اللي هتحدد المسؤول. أنا مش هخبي الحقيقة تاني علشان أي حد. خرجت من الشقة ومعايا العلبة والمفتاح، وأبويا مشي ورايا. طول الطريق للبيت مكنتش بكلمه. لحد ما وقف قدامي وقال: — أنا عارف إنك مش قادرة تسامحيني، بس لازم تسمعيني. بصيتله بوجع. — أسمع إيه يا بابا؟ إنت عارف أنا عشت كام سنة بلوم نفسي على مـ,ـوت ماما؟ اتصدم. — بتلومي نفسك ليه؟ دموعي نزلت. — علشان يومها طلبت مني أروح معاها، وأنا رفضت! قلتلها إني مشغولة ومش فاضية أنزل.
فضلت سنين أقول لو كنت نزلت معاها، يمكن كنت لحقتها… يمكن كانت عاشت. أبويا بدأ يعيط. — يا بنتي، إنتِ ملكيش ذنب. صرخت: — عارفة دلوقتي إن مليش ذنب! بس إنت كنت عارف الحقيقة وسايبني أتعذب كل السنين دي! نزل راسه. — كنت جبان. قلتله: — أيوه… كنت جبان. والخوف خلاك تظلم أمي حتى بعد مـ,ـوتها. سكت شوية، وبعدين قال: — أنا هروح أعترف بكل حاجة. بصيتله. — حتى لو اتحبست؟ هز راسه. — حتى لو اتحبست. أنا خسرت أمك بسبب غلطتي، ومش هخسر ضميري أكتر من كده.
مكنتش قادرة أسامحه في اللحظة دي، لكن لأول مرة حسيت إنه بدأ يفهم حجم اللي عمله. وصلنا بيتنا القديم. دخلت أوضة أمي، وفتحت الدولاب اللي كانت بتحط فيه حاجاتها. ريحة هدومها القديمة لسه موجودة، وكأنها سابتنا امبارح. قعدت على الأرض قدام الصندوق الخشب، ومسحت التراب من عليه. كان صندوق صغير، لونه بني غامق، وعليه رسمة وردة محفورة. حطيت المفتاح في القفل. لف بسهولة. فتحت الصندوق. لقيت صور لينا وإحنا صغيرين، وجوابات كانت أمي بتكتبها لينا في أعياد ميلادنا، وشهادات تقدير لأختي، ورسمة قديمة كنت عاملاها وأنا في ابتدائي. فضلت أقلب في الحاجات وأنا بعيط. لحد ما لقيت قاع الصندوق مش ثابت.
رفعته بحذر. وكان تحته ظرف بلاستيك مقفول كويس. فتحت الظرف. لقيت جواه نسخة من تحويلات بنكية، وصور أوراق حسابات، وتسجيل صوتي محفوظ على ذاكرة صغيرة، وجواب من أمي. بدأت أقرأ الجواب. “بنتي حبيبتي… أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أحكيلك الحقيقة بنفسي ولا لأ، لكن لو حصل لي أي حاجة، عايزاكي تعرفي إني عمري ما كنت ناوية أسيبكم. أبوكي غلط غلطة كبيرة لما دخل في شراكة فيها فلوس مش من حقه، لكن شريكه كان أخطر منه بكتير. الراجل ده استغل ثقة الناس، وحول مبالغ كبيرة لحسابات بأسماء مختلفة، ولما اكتشفت الموضوع، حاول يخليني أسكت. عرض عليا فلوس، ورفضت.

