
وبعدين هددني إنه هيأذي عيلتي. أنا خبيت نسخ من الأوراق دي علشان لو حصل لي حاجة، الحق يرجع لأصحابه. لكن فيه حاجة أهم من الفلوس. عايزاكي تعرفي إن أختك مش عبء على حد، ومش محتاجة حد يعيش حياته علشانها بدافع الشفقة. هي بنت قوية، وليها حق تختار وتحب وتتجوز وتعيش حياتها زي أي إنسانة. خليكي سند ليها، لكن متاخديش قراراتها بدل منها. وخليكي فاكرة إن الحب الحقيقي مش إننا نخبي الحقيقة علشان نحمي اللي بنحبهم… الحب الحقيقي إننا نديهم الحق يعرفوا ويختاروا. بحبكم أكتر من عمري. أمكم.” خلصت الجواب وأنا منهارة من العياط. حضنت الورقة لصدري وقلت: — وحشتيني يا ماما…
وحشتيني أوي. لكن كان لازم أكمل. طلعت الذاكرة الصغيرة، ووصلتها بجهاز الكمبيوتر القديم. لقيت عليها تسجيلات صوتية وملفات. فتحت أول تسجيل. سمعت صوت أمي. كان واضح إنها بتتكلم مع والد جوز أختي. قالتله: — أنا مش هسكت على اللي عملتوه. الفلوس دي حق ناس، ولازم ترجع. سمعت صوته وهو بيرد بعصبية: — إنتِ فاكرة نفسك هتقدري تفضحيني؟! أمي قالت: — أنا مش خايفة منك. رد: — يبقى متلوميش غير نفسك لو حصلت مصيبة. قلبي اتقبض. كملت التسجيل. أمي قالت: — إنت بتهددني؟ رد: — اعتبريه تحذير أخير. التسجيل انتهى. فضلت باصة للشاشة.
كان دليل واضح على التهديد، لكنه لوحده مكنش يثبت مين تسبب في الحادث. فتحت ملف تاني. لقيت صورة تقرير فني قديم عن العربية، مكتوب فيه إن فيه تلف غير طبيعي في أحد أجزاء نظام الفرامل، وإن سبب التلف محتاج فحص وتحقيق إضافي. كان فيه كمان ملاحظة بخط أمي عن ميكانيكي اشتغل على العربية قبل الحادث بيوم. اتصلت بجوز أختي فورًا. — أنا لقيت أوراق وتسجيلات مهمة… ولازم نسلمها للشرطة. رد: — أنا معاكي. ومش هسمح إننا نخبي حاجة تاني. سألته بسرعة: — أختي عاملة إيه؟ صوته هدي. — الدكاترة قالوا إن المؤشرات بدأت تتحسن شوية، بس لسه محتاجة متابعة دقيقة.
غمضت عيني وقلت: — يا رب ترجع لنا بالسلامة. في اليوم التالي، رحنا للجهات المختصة وسلمنا الأوراق والتسجيلات، وأبويا قدم أقواله واعترف بدوره في تحويل الفلوس، وبإنه كان سايق العربية وقت الحادث وإنه أخفى الحقيقة. أما والد جوز أختي، فتم استدعاؤه للتحقيق. في البداية أنكر كل حاجة. وقال إن التسجيلات مفبركة، وإن الأوراق قديمة ومش صحيحة. لكن التحقيقات بدأت تكشف تفاصيل مكنتش أعرفها. الميكانيكي اللي كان اشتغل على العربية قبل الحادث كان لسه عايش.
ولما تم الوصول له وسماع أقواله، اعترف إنه نفذ تعديلًا غير قانوني في جزء متعلق بالفرامل بناءً على طلب شخص وسيط، وإنه كان عارف إن التعديل ممكن يعرض حياة اللي يركب العربية للخطر. وقال إنه أخد مبلغ كبير مقابل شغله. التحقيقات في التحويلات المالية كشفت صلة بين الوسيط ووالد جوز أختي، وبعد مراجعة أدلة تانية، اتوجهت اتهامات للمتورطين، واتحالت القضية للمحاكمة. مكنتش مصدقة إن الحقيقة اللي اتدفنت سنين بدأت تظهر. لكن وسط كل ده، كان أهم سؤال عندي: هل أختي هتعيش؟ بعد أيام من القلق، اتصل بيا جوز أختي الصبح بدري. كان صوته مختلف. — تعالي المستشفى بسرعة! قلبي وقع.
— أختي مالها؟! قال: — فاقت… وبتسأل عليكي! صرخت من الفرحة. لبست بسرعة وجريت على المستشفى. دخلت أوضتها، ولقيتها قاعدة على السرير بمساعدة المخدات، ووشها لسه شاحب، لكن عينيها مفتوحة. أول ما شافتني، ابتسمت. — إنتِ جيتي؟ جريت عليها وحضنتها بحذر. — يا روح قلبي! حمد لله على سلامتك! فضلنا نعيط إحنا الاتنين. وبعدين سألتني: — إنتِ زعلانة مني؟ مسكت وشها بين إيديا. — زعلانة إنك شيلتي السر ده لوحدك كل السنين دي. نزلت عينيها. — كنت خايفة. قلت: — عارفة يا حبيبتي… بس كان من حقك تطلبي المساعدة، ومن حقي أعرف الحقيقة. قالت بصوت واطي:
— أنا مكنتش عايزة بابا يتحبس. رديت: — فاهمة خوفك، لكن اللي غلط لازم يتحمل مسؤولية غلطه، وإنتِ مش مسؤولة عن حماية أي حد من نتيجة أفعاله. سكتت شوية، وبعدين سألت: — وجوزي؟ إنتِ زعلانة منه؟ بصيت ناحية الباب. كان واقف بره، ومستني تسمحله يدخل. قلت: — هو كمان غلط لما سكت، لكن أنا عارفة إنه بيحبك. ابتسمت. — أنا بحبه أوي. قلت: — وهو كمان بيحبك… بس أهم حاجة إنكم من النهارده متخبوش الحقيقة عن بعض ولا عن الناس اللي ليهم حق يعرفوها. هزت راسها. وبعدين سألت السؤال اللي كنت مستنياه: — ولادي فين؟ ضحكت وسط دموعي.
— في الحضانة يا ماما، والدكاترة بيقولوا إنهم بيتحسنوا. وشها نور. — أنا بقيت ماما بجد؟ حضنتها وقلت: — أيوه يا حبيبتي… بقيتي أم لطفلين زي القمر. بعد فترة، سمح الدكتور لأختي تشوف التوأم من قريب. كانوا صغيرين جدًا، وكل واحد نايم في حضانة خاصة. وقفت قدام الزجاج، وجوزها واقف جنبها. كانت بتبص لهم وعينيها مليانة دموع. قالت: — دول ولادي؟ رد جوزها وهو بيبتسم: — أيوه يا حبيبتي… دول أجمل طفلين في الدنيا. حطت إيدها على الزجاج. — نفسي أشيلهم. قال: — هتشليهم لما الدكاترة يسمحوا، وإن شاء الله هيرجعوا البيت معاكي. بصتله وقالت: — إنت هتفضل معايا؟ مسك إيدها.
