منوعات

اختى اللى عندها متلازمة داون

— طول ما إحنا عايشين وبنختار بعض، هفضل جنبك. وبعدين بصلي. كان واضح إنه عايز يقول حاجة. خرجت معاه بره. وقف قدامي وقال: — أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة. قلت: — إنت كنت أعز صاحب ليا، وأنا وثقت فيك طول عمري. اللي وجعني مش بس إنك خبيت الحقيقة… اللي وجعني إنك سبتني أعيش سنين فاكرة إن مـ,ـوت أمي مجرد حادث. نزل راسه. — عندك حق. سألته: — بس عايزة أسألك سؤال، وتجاوبني من غير لف ولا دوران. رفع عينيه. — اسألي. قلت: — إنت اتجوزت أختي ليه بجد؟ علشان بتحبها، ولا علشان كنت حاسس بالذنب وعايز تكفر عن سكوتك؟

سكت لحظات. وبعدين قال: — في البداية كنت حاسس إني مسؤول عن حمايتها، وده خلاني أفضل قريب منها. لكن لما كبرنا، اكتشفت إني بحب شخصيتها، وضحكتها، وطريقتها في الحياة، وإن وجودها بيفرق معايا. كمل: — قبل ما أتقدملها، سألت نفسي السؤال ده كتير. ولو كنت حسيت إن الدافع الوحيد هو الذنب، مكنتش اتجوزتها. لأنها تستاهل جواز قائم على الحب والاختيار، مش على الشفقة. بصيتله وسألته: — وهي عارفة كل ده؟ ابتسم بحزن. — هي اللي سألتني السؤال ده قبلك… وقالتلي إنها مش عايزة تتجوز واحد حاسس إنه مضطر يحميها. ابتسمت رغم دموعي. أختي كانت أقوى وأوعى مما ناس كتير متخيلة. قلتله:

— يبقى أثبتلها كل يوم إنك بتحترمها، مش بس بتحبها. هز راسه. — أوعدك. مرت شهور طويلة. أختي صحتها اتحسنت تدريجيًا، والتوأم خرجوا من الحضانة بعد ما الدكاترة اطمأنوا عليهم. رجعت بيتها، وبدأت تتعلم إزاي تعتني بطفليها، وجوزها كان بيشاركها في كل حاجة. كانت ساعات تتعب، وساعات تحتاج مساعدة، زي أي أم جديدة. لكنها كانت سعيدة. أما أبويا، فواجه المحاكمة بسبب دوره في الجرائم المالية وإخفاء معلومات عن الحادث، وصدر ضده حكم بعد نظر القضية. والد جوز أختي كمان اتحاكم بعد ما الأدلة والشهادات أثبتت تورطه في التلاعب بالعربية والتهديدات والجرائم المالية، وصدر ضده حكم بالسجن.

الحقيقة أخدت وقت طويل علشان تظهر، لكن في النهاية، كل واحد اتحمل مسؤوليته قدام القانون. أنا مكنتش فرحانة إن أبويا اتحبس. مهما حصل، هو أبويا. لكن كنت عارفة إن السكوت على الغلط مش حب، وإن العدل لازم ياخد مجراه.وفي يوم، رحت أزور قبر أمي. أخدت معايا ورد أبيض، وقعدت قدام قبرها. قلت بصوت مكسور: — حقك رجع يا ماما… بعد سنين طويلة. دموعي نزلت. — سامحيني إني معرفتش الحقيقة بدري… وسامحيني إني كنت بلوم نفسي على حاجة مليش ذنب فيها. فضلت قاعدة شوية، وبعدين طلعت جوابها من شنطتي وقريت آخر سطر فيه تاني:

“الحب الحقيقي إننا ندي اللي بنحبهم الحق يعرفوا ويختاروا.” ابتسمت وسط دموعي. كانت أمي حتى بعد مـ,ـوتها بتعلمني درس عمري ما هنساه. بعد سنة كاملة، كنا كلنا متجمعين في بيت أختي علشان نحتفل بعيد ميلاد التوأم الأول. البيت كان مليان ضحك وزينة وبالونات. أختي كانت لابسة فستان جميل، وشعرها متسرح بعناية، ووشها منور بالسعادة. وجوزها واقف جنبها، شايل واحد من الطفلين، وهي شايلة التاني. قربت منهم علشان أصورهم. قلت: — يلا يا جماعة، ابتسموا! أختي ضحكت وقالت: — استني! عايزة أقول حاجة. بصينا لها كلنا. قالت:

— أنا عارفة إن السنة اللي فاتت كانت صعبة علينا، بس أنا مبسوطة إننا لسه مع بعض. وبعدين بصتلي. — إنتِ طول عمرك كنتِ بتحميني… بس أنا كمان عايزة أحميكي وأكون جنبك. حسيت بدموعي بتتجمع. قربت منها وحضنتها. — إنتِ طول عمرك سندي يا حبيبتي. همست في ودني: — ماما كانت هتفرح بينا، صح؟ بصيت للتوأم، ولجوزها اللي واقف مبتسم، وللبيت اللي مليان حياة. وقلت: — كانت هتكون فخورة بيكي جدًا. وبعدين أختي مسكت إيدي وقالت: — عارفة؟ أنا مش عايزة الناس تفتكر حكايتي علشان عندي متلازمة داون. سألتها: — أمال عايزاهم يفتكروها ليه؟ ابتسمت وقالت:

— علشان أنا حبيت واتحبيت، وبقيت أم، وقدرت أقول الحقيقة حتى وأنا خايفة. حضنتها تاني. وفي اللحظة دي فهمت إن أختي عمرها ما كانت مجرد بنت محتاجة حد يحميها. كانت إنسانة عندها قلب وعقل وأحلام، وبتقدر تختار وتحب وتواجه، حتى لو احتاجت دعم في بعض المواقف. أما أنا، فاتعلمت إن أقرب الناس لينا ممكن يغلطوا، وإن الحب مش معناه إننا نبرر أخطاءهم، ولا إننا نخبي الحقيقة علشان نحافظ على شكل العيلة. الحب الحقيقي محتاج صدق، واحترام، وشجاعة. وأمي، رغم إنها غابت عن حياتنا، سابت لنا أعظم درس:

إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير وهو بيدافع عن الحق، لكن لو خسر ضميره، بيخسر نفسه. بصيت لأختي وهي بتضحك مع ولادها، وقلت في سري: — ربنا عوضك يا حبيبتي… وعوضنا كلنا برجوعك لينا. ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن جـ,ـرح مـ,ـوت أمي بدأ يلتئم. مش علشان نسيناها. لكن علشان الحقيقة أخيرًا ظهرت، والظلم اللي اتبنى على الكدب انتهى. تمت بحمد الله. بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري لو وصلتوا لنهاية الحكاية، قولولي رأيكم: هل كنتوا هتقدروا تسامحوا الأب بعد اعترافه؟ وهل جوز الأخت يستحق فرصة تانية بعد ما أخفى الحقيقة كل السنين دي؟

انت في الصفحة 9 من 9 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى