منوعات

جوزى سابنى

يمكن لأنه عرف إن قراري المرة دي مش تهديد. كان قرار نهائي. بعد شهور، وبمساعدة المحامين والمحاسبين، قدرت أحمي حصتي المثبتة في الشركة، وأوصل لتسوية قانونية بشأن حقوقي المالية، من غير ما أوقع على أي تنازل غير مفهوم. أما الخلافات المتعلقة بالمستندات والتعاملات المالية، فاستمرت إجراءاتها في الجهات المختصة. مكنتش النهاية إن شريف خسر كل حاجة وأنا كسبت كل حاجة. الحياة مش بالبساطة دي. كان فيه خسائر. وتعب. وأيام كتير صحيت فيها وأنا خايفة من المستقبل. لكن لأول مرة من سنين، بقيت عارفة أنا واقفة فين. حسام حاول يصلح علاقته بيا. اعتذر أكتر من مرة.

وساعد في تقديم المستندات اللي كانت معاه. أنا مسامحتوش بسهولة. لكن مع الوقت، بدأت أقبل إننا نحاول نبني الثقة من جديد. أما داليا، فبعد ما قدمت ما عندها من مستندات، قطعت علاقتها الشخصية بشريف. ومبقاش بيني وبينها أي تواصل إلا في الأمور المتعلقة بالمراجعات القانونية. بعد حوالي ست شهور، كنت قاعدة في شقتي الجديدة. شقة صغيرة، لكنها هادية ومريحة. ملك كانت قاعدة جنبي بتذاكر. وأنا براجع شغل جديد بدأت أشتغله كمحاسبة مستقلة لعدد من الشركات الصغيرة. مكنتش بكسب زي الأول. لكن كنت مرتاحة. بقيت أصحى الصبح من غير ما أخاف من صوت حد بيزعق. أعمل قهوتي على مهلي.

وأخرج في المعاد اللي يناسبني. وأضحك مع بنتي من غير ما أفضل أبص على الباب مستنية حد يدخل متعصب. في يوم، ملك رجعت من المدرسة ومعاها شهادة تقدير. دخلت تجري عليا. — ماما! بصي أنا جبت إيه! حضنتها وفرحت بيها. قالت: — الأسبوع الجاي عندنا حفلة تكريم، هتيجي؟ ضحكت. — طبعًا يا قلب ماما. سألتني: — وبابا؟ قلت: — هبلغه بالميعاد، وإن شاء الله يقدر يحضر. ابتسمت. وبعدين قالت: — تعرفي يا ماما، أنا مبسوطة إنك بقيتي بتضحكي تاني. الكلمة دي كانت أغلى عندي من أي فلوس. حضنتها بقوة. وقلت: — وأنا مبسوطة علشان عندي بنت زيك.

وفي يوم من الأيام، وأنا راجعة من الشغل، اضطريت أقف في استراحة على الطريق السريع. كانت استراحة مختلفة عن اللي شريف سابني فيها. لكن المشهد فكرني بكل حاجة. العربيات. الناس اللي داخلة وخارجة. الكرسي الحديد. ريحة القهوة. وقفت لحظة، وافتكرت نفسي من شهور. ست واقفة لوحدها. خايفة. ومكسورة. وبتترجى جوزها يرجع ياخدها. ابتسمت بحزن. وقلت لنفسي: “يا نادية، إنتِ مكنتيش ضعيفة… إنتِ بس كنتِ بتدي فرص كتير لحد ميستاهلهاش.” اشتريت كوباية قهوة. وقعدت شوية أبص على الطريق. موبايلي رن. كانت أختي هالة. — إنتِ فين يا بنتي؟ ضحكت. — في استراحة على الطريق. قالت بخضة: — استراحة؟! إنتِ كويسة؟! قلت:

— كويسة جدًا يا هالة. سألتني: — طب هتتحركي إمتى؟ بصيت في الساعة. وبعدين قلت وأنا ببتسم: — لما أخلص قهوتي على راحتي. ضحكت أختي. — براحتك يا حبيبتي، محدش مستعجلك. قفلت المكالمة. وشربت آخر رشفة من القهوة. وبعدين ركبت عربيتي ومشيت. المرة دي مكنتش مستنية حد. ومكنتش خايفة حد يسيبني. لأني أخيرًا اتعلمت إن وجود الإنسان جنب حد مش معناه إنه يتنازل عن كرامته علشان يفضل معاه. وإن الست اللي بتسامح مش ضعيفة. لكن اللي بيستغل سماحها هو اللي بيخسرها في الآخر. أما شريف، فبعد كل اللي حصل، بقى بيشوف ملك في المواعيد اللي اتفقنا عليها.

وعلاقته بيها فضلت مسؤولية مشتركة بينا، مهما كانت الخلافات اللي حصلت بيني وبينه. أنا عمري ما حاولت أخلي بنتي تكرهه. لأنه مهما حصل بينا، هيفضل أبوها. لكن في نفس الوقت، مبقتش بسمح لأي حد يقلل مني قدامها. وفي مرة، ملك سألتني سؤال خلاني أبتسم. قالت: — يا ماما، إنتِ ندمانة إنك اتجوزتي بابا؟ فكرت شوية. وبعدين قلت: — مش ندمانة على وجودك في حياتي يا ملك، إنتِ أجمل نعمة ربنا رزقني بيها. لكن فيه حاجات كنت أتمنى أتعلمها بدري. سألتني: — زي إيه؟ مسكت إيديها. وقلت:

— إن الحب الحقيقي عمره ما يكون إهانة، وإن اللي بيحبك بجد مش هيعاقبك علشان اتأخرتي عليه أربع دقايق، وهو نفسه مستنيكي تستحمليه طول العمر. حضنتني. وقالت: — أنا بحبك يا ماما. ابتسمت. — وأنا بحبك يا روح قلبي. وفي اللحظة دي، عرفت إن كل التعب اللي مريت بيه مراحش على الفاضي. لأني مخرجتش من التجربة دي بفلوسي وحقوقي وبس. خرجت منها بنفسي. بالست اللي كنت نسياها من سنين. الست اللي ليها صوت. وليها رأي. وليها حق تقول لأ. واللي مش مضطرة تستنى حد يقرر إمتى يحترمها.

وأغرب حاجة في حكايتي كلها، إن جوزي سابني على الطريق علشان يعلمني درس في احترام الوقت… لكنه مكنش يعرف إنه في نفس اللحظة كان بيديني الفرصة إني أتعلم أهم درس في حياتي: إن عمري أغلى من إني أضيعه في انتظار إنسان مش مقدّر وجودي. تمت بحمد الله. بقلم الكاتبة أسما السيد —

انت في الصفحة 12 من 12 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى