منوعات

جوزى سابنى

كان دايمًا يقولي: — أنا بتاع شغل، إنما الورق والحسابات دي بتاعتك. والغريب إنه مع الوقت بدأ يتعامل مع الشركة كأنها ملكه لوحده. أما أنا، فكنت مجرد الست اللي المفروض تفضل ساكتة. لحد ما جه اليوم اللي غيّر كل حاجة. كان يوم الخميس. كنا متفقين نسافر نقضي كام يوم عند أختي الكبيرة، اللي كانت عاملة عزومة للعيلة كلها بمناسبة نجاح ابنها. ملك كانت عند خالتها من اليوم اللي قبله، علشان تساعدها في التجهيزات. والمفروض أنا وشريف نتحرك الساعة تسعة الصبح. لكن الساعة بقت عشرة إلا ربع، وهو لسه بيدور على نظارته الشمسية. دخلت عليه الأوضة وقلت:

— شريف، النظارة على رخامة المطبخ، أنا شفتها من شوية. بصلي بعصبية وقال: — ما كنتيش قولتي من بدري بدل ما أنا بلف زي المجنون؟ اتصدمت. — هو أنا عرفت منين إنك بتدور عليها؟ رد: — خلاص يا نادية، متوجعيش دماغي. سكت. لبست وركبت العربية. طول الطريق، كان ماسك موبايله وبيكتب رسايل كل ما نقف في إشارة. ولما سألته مين بيكلمه كتير، قال: — شغل. بعد حوالي ساعتين، حسيت إني محتاجة أدخل الحمام. قلتله: — ممكن نقف في أقرب استراحة؟ اتنهد بضيق. — دلوقتي؟! — أيوه، معلش، مش هتأخر. بص في الساعة وقال: — خمس دقايق بالظبط. ضحكت.

— يا سيدي حاضر. لكنه بصلي بحدة وقال: — أنا مش بهزر يا نادية، خمس دقايق، ولو اتأخرتي متلوميش غير نفسك. افتكرت إنه بيهددني بالكلام وخلاص. مكنش يخطر على بالي إنه ممكن ينفذ تهديده. وقف عند استراحة كبيرة على الطريق السريع. نزلت بسرعة، وسيبت شنطتي في العربية. كان معايا الموبايل بس، علشان متعودة أشيله في إيدي. دخلت حمام الستات، ولقيت طابور طويل. فضلت واقفة مستنية دوري، وكنت كل شوية أبص في الساعة. بعد تسع دقايق، خرجت بسرعة. بصيت ناحية العربية. ملقيتهاش. وقفت مكاني لحظة، وافتكرت إنه يمكن نقلها ناحية الكافتيريا. مشيت شوية، وبصيت في الموقف كله. برضه مفيش عربية.

طلعت موبايلي واتصلت بيه. رفض المكالمة. اتصلت تاني. رفضها. وفجأة وصلتني رسالة. “قولتلك خمس دقايق. لازم تتعلمي تحترمي وقت الناس.” قريتها مرة واتنين. مكنتش مصدقة. بعتله: “إنت مشيت بجد؟!” رد: “أيوه، ومش هرجع.” كتبت بسرعة: “شريف، شنطتي ومحفظتي ومفاتيحي كلها معاك. ارجع خدني، عيب اللي بتعمله ده.” بعد دقيقتين، جالي الرد اللي عمري ما هنساه: “يمكن لما تتبهدلي شوية تتعلمي تسمعي الكلام.” حسيت إن الأرض بتتحرك من تحت رجلي. قعدت على أقرب كرسي حديد. كنت سامعة صوت العربيات حواليّا، والناس داخلة وخارجة من الاستراحة، لكن حاسة إني لوحدي تمامًا. اتصلت بيه للمرة التالتة. المرة دي رد. قلت بصوت بيرتعش:

— شريف، إنت فين؟ رد ببرود: — على الطريق. — يعني إيه على الطريق؟ إنت سايبني هنا بجد؟ — أيوه، علشان تتعلمي إن كلامي يتسمع. — طب وأنا أعمل إيه دلوقتي؟! ضحك ضحكة قصيرة وقال: — اتصرفي، ما إنتِ شاطرة في كل حاجة. قلتله: — شريف، دي مش طريقة تعامل مع مراتك، إحنا مش عيال صغيرة. صوته اتغير فجأة. — إوعي تعلي صوتك عليا! أنا مش ناقص وجع دماغ. — أنا مش بعلي صوتي، أنا بطلب منك ترجع. — مش راجع. — طب على الأقل ابعتلي فلوس أرجع بيها. قال بسخرية: — هو إنتِ مش دايمًا بتقولي إنك مستقلة وبتشتغلي؟

وريني استقلالك بقى. وقفل السكة. فضلت ماسكة الموبايل وباصة قدامي. كان نفسي أعيط. لكن الغريب إن الدموع منزلتش. يمكن علشان كنت وصلت لمرحلة الوجع اللي بعدها الإنسان مبقاش قادر حتى يبكي. بعد شوية، ست كبيرة كانت قاعدة جنبي بصتلي وقالت: — مالك يا بنتي؟ وشك مخطوف كده ليه؟ حاولت أبتسم. — مفيش يا حاجة، بس حصلت مشكلة بسيطة. قالت: — ربنا يفك كربك يا بنتي. الدعوة دي خلت قلبي يوجعني أكتر. لأني اكتشفت إن ست غريبة حست بيا، بينما جوزي اللي عشت معاه ستاشر سنة سابني في نص الطريق من غير ما يفكر ممكن يجرالي إيه. فتحت جراب الموبايل.

كان جواه خمسمية جنيه مخبياهم للطوارئ. افتكرت يوم ما حطيتهم فيه، وكنت بقول لنفسي إن الواحد عمره ما يعرف الظروف. عمري ما تخيلت إن الطوارئ اللي هحتاج الفلوس علشانها هيكون سببها جوزي. قمت اشتريت إزازة مية وكوباية قهوة. ورجعت قعدت أفكر. كان ممكن أتصل بأختي. وكان ممكن أطلب عربية توصلني. وكان ممكن أرجع البيت وأتصرف كأن اللي حصل مجرد خناقة وهتعدي. وده بالظبط اللي شريف كان متوقعه. إنه يهينني، وأنا أزعل يومين، وبعدها أسامحه. لكن المرة دي، افتكرت حاجة. قبل السفر بيومين، كنت براجع إيميلي القديم علشان أدور على فاتورة، ولقيت رسالة من المحاسب القانوني للشركة.

الرسالة كانت بخصوص اجتماع مهم مع البنك، ومراجعة بعض المستندات المتعلقة بتمويل جديد. شريف كان مقدم على تسهيل ائتماني كبير باسم الشركة. والمحاسب كان طالب مستندات وموافقة الشركاء وفقًا لإجراءات البنك. أنا وقتها كنت مشغولة ومردتش. لكن دلوقتي افتكرت الرسالة بكل تفاصيلها. وافتكرت كمان إن شريف كان مستعجل جدًا على التمويل ده. لدرجة إنه من أسبوع كان بيقولي: — أول ما الفلوس تنزل، حياتنا كلها هتتغير. سألته وقتها: — هتتغير إزاي؟ ابتسم ابتسامة غريبة وقال: — هتعرفي في وقتها. قعدت أفكر في التحويلات اللي مش مفهومة. وفي المورد الجديد. وفي عصبيته لما كنت بسأله عن الحسابات.

انت في الصفحة 2 من 12 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى