
وفي محاولة إبعادي عن شغل الشركة. وفجأة، بدأت أربط الحاجات ببعضها. فتحت موبايلي ودورت على رقم المحامي اللي كان مسؤول عن تأسيس الشركة. اسمه أستاذ محمود. راجل كبير ومحترم، وكان صديق لأبويا الله يرحمه. آخر مرة اتكلمنا كانت من شهور. اتصلت بيه. رد بعد تلات رنات. — أيوه يا مدام نادية، إزي حضرتك؟ قلت: — الحمد لله يا أستاذ محمود، معلش هعطلك شوية، بس محتاجة مساعدتك في موضوع مهم. سمع صوتي وسأل: — مالك؟ فيه حاجة حصلت؟ سكت لحظة. وبعدين قلت:
— أنا عايزة أعرف حقوقي القانونية في الشركة، وعايزة أتأكد إن مفيش أي موافقات أو توقيعات منسوبة ليا على تمويل جديد من غير علمي. سكت هو كمان. وبعدها سألني بنبرة جدية: — ليه بتسألي السؤال ده دلوقتي؟ بصيت للطريق قدامي. وقلت: — علشان اكتشفت إن فيه حاجات بتحصل من ورا ضهري، ومش هسمح إن اسمي أو فلوسي يتحطوا في خطر. قال: — طيب اسمعيني كويس. متوقعيش على أي ورقة، ومتديش موافقة على أي حاجة قبل ما نراجع الملف كله. قلت: — وأنا عايزة أعمل طلب رسمي بمراجعة المستندات، وأبلغ البنك إن أي موافقة باسمي لازم يتم التحقق منها مباشرة. رد:
— ده حقك، وأنا هساعدك نبدأ الإجراءات بالطريقة القانونية. بس لازم نفهم الأول إيه اللي اتقدم فعلًا. قلت: — تمام. وأنا جاهزة أبعثلك كل المستندات اللي عندي. وبعد ما قفلت، حسيت لأول مرة من شهور إني رجعت أتحكم في قرار يخص حياتي. مكلمتش شريف تاني. ولا بعتله أي رسالة. اتصلت بأختي، وحكيتلها إني في الاستراحة ومحتاجة حد ييجي ياخدني. في الأول افتكرت إني بهزر. ولما فهمت اللي حصل، صوتها اتغير. — نادية، إنتِ بتقولي إيه؟! شريف سابك في الطريق ومشي؟! قلت: — أيوه. صرخت: — ده اتجنن؟! إنتِ كويسة؟ محدش ضايقك؟ — أنا كويسة، متقلقيش. قالت:
— ابعتيلي موقعك حالًا، أنا وجوزي جايين ناخدك. قفلت معاها، وبعتلها موقعي. وبعدين رجعت قعدت على الكرسي. كانت الساعة قربت من اتنين الضهر. فضلت أشرب قهوتي وأبص على العربيات اللي بتدخل وتخرج. وفجأة، جالي إشعار على الإيميل. رسالة من المحامي. فتحته، ولقيته باعتلي نسخة من مستند مهم كان موجود في ملف الشركة. مستند عليه توقيع باسمي. لكن أنا عمري ما شفته قبل كده. قربت الشاشة من وشي. وقريت عنوان الورقة. كانت موافقة على ضمان شخصي مرتبط بالتمويل المطلوب. وتحتها توقيع مكتوب فيه اسمي. قلبي دق بسرعة. كبرت الصورة. بصيت على التوقيع كويس. كان شبه توقيعي فعلًا. لكن مش توقيعي!
إيدي بدأت تترعش. اتصلت بالمحامي فورًا. — أستاذ محمود، الورقة دي جت منين؟! رد: — دي ضمن صور المستندات اللي وصلتني للمراجعة، وأنا لسه بطلب التحقق من أصلها. إنتِ متأكدة إنك ممضتيش عليها؟ قلت بحزم: — والله ما مضيت عليها، ولا حتى شفتها قبل النهارده! سكت لحظة. وبعدين قال: — يبقى الموضوع أكبر من مجرد خلاف بينك وبين جوزك. لازم نتحرك بحذر، ونراجع الأصول ونتأكد مين قدم الورق وإزاي. حسيت بقشعريرة في جسمي. لأول مرة، فهمت إن عصبية شريف لما كنت بسأله عن الشركة ممكن يكون وراها سر أخطر بكتير مما كنت متخيلة. وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، قال المحامي:
— وفيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا نادية. قلت: — إيه هي؟ رد: — اسم المورد الجديد اللي سألتي عنه قبل كده ظهر في مستندات التمويل، وفيه تحويلات محتاجة تفسير. اتسمرت مكاني. — تقصد شركة النور؟ — أيوه. — مالها؟ قال: — لسه مش هقدر أجزم بحاجة، لكن واضح إن فيه علاقة مالية بينها وبين شركتكم لازم تتراجع كويس. قلت بصوت واطي: — يا ترى شريف مخبي عني إيه؟ رد: — ده اللي هنحاول نعرفه. قفلت المكالمة. وكانت دي اللحظة اللي أدركت فيها إن شريف يمكن مكنش بيعاقبني علشان اتأخرت أربع دقايق. يمكن كان متعمد يبعدني عن طريقه.
يمكن كان مستني اللحظة اللي أتعب فيها وأبطل أسأل. لكن اللي حصل إنه بنفسه فتح باب كان مقفول من سنين. عدت ساعة. وبعدها ساعة تانية. وأنا لسه مستنية أختي وجوزها يوصلوا. وفجأة، موبايلي بدأ يرن. بصيت على الشاشة. شريف. المرة دي مكنش باعت رسالة. كان بيتصل. سيبته يرن شوية. وبعدين رديت. قبل حتى ما أقول ألو، سمعت صوته بيصرخ بطريقة عمري ما سمعته بيها: — إنتِ عملتي إيه يا نادية؟! إنتِ اتجننتي؟! قلت بهدوء: — مالك يا شريف؟ فيه إيه؟ صرخ: — متعمليش نفسك مش فاهمة! البنك كلمني، والمحامي بعتلي إخطار! إنتِ عايزة توقفّي التمويل وتضيّعي الشركة؟!
حطيت كوباية القهوة على الكرسي جنبي. وقلت: — أنا بس طلبت أراجع ورق عليه اسمي، وأتأكد إن محدش استخدم توقيعي من غير إذني. رد وهو بيزعق: — إنتِ عارفة عملتي إيه؟! عارفة إنك ممكن توديني في داهية؟! قلت: — غريبة يا شريف… من تلات ساعات كنت بتقولي اتصرفي لوحدك. سكت. كملت: — وأنا فعلًا اتصرفت. صرخ: — اسمعيني كويس، متعمليش أي حاجة تانية لحد ما أرجعلك! ابتسمت رغم وجعي. وقلت: — لأ يا شريف، المرة دي إنت اللي هتستنى. وقبل ما أقفل، سمعته بيقول جملة خلت الدم ينشف في عروقي:

