
وقف قبالي “شريف” وعيونه مليانة استحقار: – “بلاش تمثيل! فاكرة لما تشتريلي ساعة زي دي هعشقك كده يعني؟” – “طول النهار صايعة لي في الشوارع تحت مسمى ‘بلم الإيجارات’.. لا بتطبخي، ولا بتنضفي، ورمية مصالح البيت كلها على الشغالة! إنتي بتعملي إيه في حياتك أصلاً؟” كل كلمة كانت بتنزل زي المشرط في قلبي.. وما سكتش: – “فاكرة نفسك هانم؟ اتجوزت واحدة لا طايقة تبقى ست بيت ولا نيلة.. طول النهار تفتفي في الفلوس، إنتي لزمتك إيه في العيشة دي؟”
سكت. أنا.. عاطلة وخايبة؟ أنا اللي بصحى كل يوم قبل الساعة 6 الصبح! اللي شقة يفرقع فيها ماسورة سباكة بأجري أصلحها، واللي السقف عنده ينش بتابع مع الصنايعية، واللي يفضى أروح أعرضها وأكتب عقودها.. 25 شقة باسمي في مناطق مختلفة بين “شباب الجيزة” و”فيصل” و”حدائق الأهرام”! من أول ما أدور على زبون، لأكتب العقد، لألم الإيجار، للصيانة.. محدش بيمدلي إيد المساعدة! فوق كل ده بروح أعمل ماجستير إدارة أعمال (MBA) في الجامعة الأمريكية بالليل وكل نهاية أسبوع.
من 10 سنين، أول ما اتخرجت، جمعت كل القرشين اللي حوشتهم مع قرشين أهلي واديتهملي كبداية، واشتريت أول شقة صغيرة. وبإيجارها سددت قسط التانية.. ومن التانية جابت التالتة.. لحد ما بقى معايا 25 شقة بيجيبولي في الشهر حوالي 120 ألف جنيه. والفلوس دي؟ وعزة جلال الله ما كنت بشيل منها جنيه لنفسي! مصاريف البيت.. أقساط الشقة اللي قاعدين فيها في “التجمع”.. قسط العربية بتاعته.. مصاريف دكاترة حمايا وحماتي.. الخروج.. الهدايا..
كلهم… 500 ألف! بصيت للمصصممة دي.. الست اللي ببعتلها كل أول شهر 5 تلاف جنيه مصروف إيدها غير الهدايا والدكاترة والعزومات! ودلوقتي بتقولي “دول كلهم 500 ألف”! رديت ببطء ووضوح: – “أنا لسة محولة 25 ألف قسط الشقة دي.. ومسلمة 10 تلاف مصاريف البيت.. والشهر اللي فات دافعة فوق الـ 30 ألف كشف وتحاليل لحضرتك ولعمو.. أنا مش مكنة bank أوتوماتيك!” ”شريف” ضحك بسخرية واستحقار: – “وهو حد ضـ,ـربك على إيدك؟ إنتي اللي بتجري تعملي فيها !!!!الفتكة وتدفعي.. جاية دلوقتي تذلينا وتعدي علينا الخير؟”
حسيت ساعتها برعدة تلج مشيت في جسمي. صح.. محدش ضـ,ـربني على إيدي. أنا اللي كنت هبلة وبقدم السبت والأحد والاربعاء.. هم يحتاجوا.. وأنا أدفع. هم يطلبوا.. وأنا ألبي. لحد ما اعتبروا ده حق مكتسب! بس خلاص كده انتهى وتاني يوم صحيوا على المفاجأه اللي عرفتهم قيمتي بجد و صدمه فوقتهم !!! استيقظ البيت في الثامنة صباحاً على غير العادة؛ لا صوت للمطبخ، لا رائحة للقهوة، ولا وجود للشغالة التي أبلغتها في ساعة متأخرة من الليل بألا تأتي اليوم وتأخذ إجازة مدفوعة الأجر.
خرج “شريف” من الغرفة بملابس النوم، عيونه منتفخة وأثره نوبة الغضب بالأمس ما زال يرسم قسوة على ملامحه. خلفه خرجت أمه “نادية” وهي تتأفأف، وتبعهما “تامر” وهو يفرك عينيه بنزق المراهقين. كانت “مريم” تجلس على أريكة الصالة، ترتدي طقماً رسمياً أنيقاً، أمامها لابتوب مفتوح، ملفات ورقية مرتبة بدقة، وفنجان قهوة أسود يخرج منه البخار ببطء. لم تنظر إليهم، ولم ترفع رأسها عن الشاشة. بدأ “شريف” الكلام بنبرة تهكمية وهو يتجه نحو المطبخ:
– “صباح الخير يا سيدة الأعمال.. طبعاً مفيش فطار، والشغالة كالعادة مجاتش.. ما هي الهانم فاضية للملفات ومش فاضية لبيتها!” ردت “مريم” بهدوء قـ,ـاتل، ودون أن تلتفت: – “الشغالة أنا اللي قايلالها متجيش.. ومن النهاردة مفيش شغالة تانية هتعتب البيت ده على حسابي.” توقفت قدم “شريف”، والتفتت أمه بحدة: – “يعني إيه يا حبيبتي؟ هنقعد في القرف ده؟ ومين اللي هيخدمنا؟” أغلقت “مريم” اللابتوب بهدوء شديد، وصوته الصادر عند الإغلاق كان التنبيه الأول لزلزال قادم. وقفت، وعدلت جاكيت بدلتها، ثم نظرت في عيونهم جميعاً بواحد من أبرد وأقسى التعبيرات التي رأوها في حياتهم.
– “الخدمة دي للستات اللي بياخدوا مصاريف بيوتهم من أزواجهم.. مش للست العاطلة الخايبة اللي عايشة على قفاكم ومبتعملش حاجة في حياتها غير إنها تفتفي الفلوس!” ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتقدم “شريف” خطوات ونبرة جهورية تحاول التغطية على توتره المفاجئ: – “بلاش حركات الأطفال دي يا مريم! إنتي فاكرة لما تقطعي الشغالة هتضغطي عليا عشان الـ 500 ألف بتوع تامر؟ الفلوس دي هتتدفع يعنى هتتدفع، وإلا…” قطعته “مريم” برفع يدها بثبات:
– “مفيش ‘إلا’ يا شريف.. المفاجأة مش في الشغالة.. المفاجأة في الموبايل ده.” رفعت هاتفها وأرته الشاشة. كانت عبارة عن إشعارات تطبيق البنك ومراسلات مع المحامي الخاص بها. – “النهاردة أول يوم في السنة الجديدة.. وأنا قررت أبدأ السنة وأنا بصلح كل أخطاء الـ 10 سنين اللي فاتوا.” بدأت تسرد وهي تتحرك في الصالة ببطء، كأنها تلقي محاضرة في الجامعة: 1. **أولاً:** قسط الشقة دي في التجمع (25 ألف جنيه شهرياً).. أنا ألغيت التحويل الأوتوماتيكي للبنك. الشقة باسمك يا شريف، وتقويم كشف حسابك البنكي هو اللي هيسدد من النهاردة. البنك هيتصل بيك كمان أسبوع للتحصيل.
2. **ثانياً:** عربيتك اللي بتتباهى بيها قدام أصحابك.. قسطها 14 ألف. الكارت اللي كان بيسحب القسط اتقفل، وتقدر تتصرف مع شركة التمويل. 3. **ثالثاً:** مصروف طنط الـ 5 تلاف، ومصروف عمو، ودكاترتكم وتحاليلكم.. التغطية الطبية الشاملة للأسرة اتلغت من الساعة 12 بليل. 4. **رابعاً وأخيراً:** الـ 120 ألف بتوع الإيجارات اللي كانوا بيدخلوا الحساب المشترك عشان نصرف منهم على البيت والهدايا والرحلات الرخيصة.. أتحولوا بالكامل لحساب استثماري مقفول باسمي أنا وبس، ومفيش مليم واحد هيخرج منه إلا لخدمة عقاراتي وصيانتي وبس.
اتسعت عيون “شريف” باستحالة، بينما شهقت أمه ووضعت يدها على صدرها: – “إنتي اتجننتي يا بت إنتي؟! عايزة تشردينا؟ عايزة ترمي حماتك وحماكي للزمن؟” ردت “مريم” ونظرت في عين حماتها بابتسامة وثقة لم يعهداها: – “تشريد إيه يا طنط؟ مش حضرتك قلتي البارح على الـ 500 ألف ‘دول كلهم 500 ألف يعنى مش مستاهلة’؟ اللي يعامل نص مليون جنيه معاملة الفكة، اكيد مش هيقف عاجز قدام كشف دكتور بـ 1000 جنيه ولا مصروف بيت بـ 10 تلاف! ابنك راجل شغال وبيكسب، يورينا شطارته ويعيشكم في المستوى اللي يعجبه.”
قفز “تامر” في الكلام بغضب: – “والشركة بتاعتي؟ والـ 500 ألف بتوعي؟! إنتي بتلعبي بالنار يا مريم!” التفتت إليه “مريم” بنظرة جعلته يتراجع خطوة للخلف: – “أنت بالذات تدورلك على شغلانة تستمر فيها أكتر من شهرين.. لأن لو فكرت تاخد مليم واحد من شريف من النهاردة، مش هيلاقي يأكلك ولا يأكل نفسه.” اقترب “شريف” منها وعروق وجهه بارزة، وصوته يرتجف من الصدمة والغضب: – “إنتي فاكرة نفسك مين؟ فاكرة إنك بالطريقة دي بتركبيني؟ أنا راجل البيت هنا! والفلوس دي طالما دخلت بيتي يبقى لينا حق فيها! غصب عنك هتسددي الأقساط دي، وإلا ورقتك هتوصلك بيت أبوعلى!”
قفزت “مريم” بضحكة قصيرة صريحة، ضحكة خالية تماماً من الخوف: – “ورقتي؟ طلقني يا شريف.. طلقني حالاً! إنت فاكر إنك بتهددني بطلاق؟ أنا اللي كنت مستحملة القرف ده عشان كنت فاكرة إن في مشاعر وبنبني بيت سوا.. لكن لما أكتشف إن كل اللي فارق معاك هو فلوسي، وإنك شايفني ‘صايعة بتلم إيجارات’ عشان بغطيلك نقسك وعجزك المالي.. يبقى وجودي معاك هو الإهانة الحقيقية لنفسي!” ثم فتحت حقيبتها وأخرجت ظرفاً أبيض وضعتها على الطاولة:
– “ده إشعار من المحامي.. دعوى استرداد لكافة المبالغ اللي اندفعت كقروض لشراء شقتك باسمك من حسابي الشخصي ومثبتة بتحويلات بنكية. قدامك 30 يوم للتسوية، يا إما الشقة دي نفسها هيتحجز عليها.” شخصت أبصارهم جميعاً نحو الظرف. ساد صمت رهيب في الصالة، صمت لم يقطعه إلا صوت سحب “مريم” لمقبض حقيبة سفرها الكبيرة التي كانت قد أعدتها ليلاً وضعتها بجانب الباب. سحبت الحقيبة، ووقفت عند الباب، التفتت ونظرت إلى “شريف” الذي كان يقف مذهولاً، عاجزاً عن الحركة أو التفكير، وقد أدرك للتو حجم الكارثة المادية والاجتماعية التي وضع نفسه وأهله فيها.
قالت له بنبرة هادئة ورصينة: – “العاطلة الخايبة ماشية يا شريف.. وريني بقى شطارة ‘راجل البيت’ وهو بيسدد 70 ألف جنيه مصاريف وأقساط شهرياً من غير ‘فلوس الإيجارات الرخيصة’.” فتحت الباب، وخرجت، وأغلقته خلفها بقوة جعلت أركان الشقة ترتج، تركتهم خلفها لمواجهة حقيقة حجمهم الطبيعي بدونها. نزلت “مريم” درج العمارة بثباتٍ لم تعهده في نفسها من قبل. كانت كل خطوة تبتعد بها عن الشقة تُشعرها بوزنٍ ثقيل يسقط عن كاهلها. وضعت حقيبتها في حقيبة سيارتها، وركبت خلف المقود، وأخذت نفساً عميقاً ممزوجاً برائحة الحرية والكرامة التي استردتها للتو.
لم تذهب إلى منزل أهلها لتبكي أو تشكو، بل توجهت مباشرة إلى مكتب محاميها الخاص في “المهندسين”. في ذلك الوقت، كان الذهول ما زال يخيم على الشقة في “التجمع”. جلس “شريف” على الأريكة والظرف الأبيض مفتوح في يده، وعيناه تتنقلان بين الأرقام المدونة في الخطاب الرسمي. أمه “نادية” كانت تطوف حوله كالفرخة المذعورة، تلطم خدودها بهدوء وهي تتساءل: – “يعني إيه يا شريف؟ يعني هي تقدر تاخد الشقة؟ دي شقتك وإنت اللي كاتبت العقد باسمك!”
رد “شريف” بصوت مبحوح وهو يشعر بالحلقة تضيق حول عنقه: – “الشقة باسمي يا أمي.. بس التحويلات البنكية للمقدم والأقساط كانت بتطلع من حسابها هي لحساب شركة التطوير العقاري مباشرة! المحامي كاتب إن دي مبالغ مدفوعة بنية الأمانة والقرض المسترد.. لو أثبتت ده في المحكمة، الشقة إما هتتباع في المزاد أو هيتحجز عليها!” تدخل “تامر” بغضب وجشع لم ينطفئ بعد: – “طب والـ 500 ألف بتوع مشروعي؟ إحنا نسيبها تعلّم علينا كده؟ روح وراها يا شريف، ارفع عليها قضايا.. طالما هي مرتك يبقى فلوسها فلوسك!”
صرخ فيه “شريف” بشرارة غضب كانت مخبوءة لسنوات: – “خرس خالص يا تامر! مشروع إيه وفلوس إيه؟! البت قفلت الحسابات! البنك هيخصم قسط الشقة وقسط عربيتي كمان أسبوع.. أنا مرتبي كله على بعضه في الشركة 22 ألف جنيه! هسدد منين 25 ألف قسط شقة و14 ألف قسط عربية ومصاريف بيتك وأمك وأبوك وأكلك وشربك؟!”
نزلت الكلمات كالصاعقة على الأم وابنها الصغير. ولأول مرة منذ سنوات، أدرك الجميع الحجم الحقيقي لـ “شريف”.. الرجل الذي كان يتطاول على زوجته ويعايرها بالبطالة، بينما هو في الحقيقة يعيش في مستوى اجتماعي مضاعف ثلاثة أجهزة عن قدرته المالية الفعلية، فقط لأن زوجته كانت تغطي الفارق من عرقها وتعبها.



