
بصيت لطارق.. الراجل اللي عشت معاه خمس سنين على المرة قبل الحلوة، الراجل اللي كنت بمرضه لما يأتيه المغص ويسهر معايا وأنا مجهدة من وردية المستشفى.. بصيت له وكأني بشوفه لأول مرة.. كأنه مجرد شخص غريب واقف في بيتي بيوزع ممتلكاتي بدون وجه حق. مشيت بكل ثبات لحد ما وقفت في نص الصالة، وحطيت الملف البيج – اللي فيه عقود الملكية وإعلام الوراثة – على الترابيزة الخشب الكبيرة اللي في النص.. حطيت إيدي في وسطي، وبصيت لهم واحد واحد.. عيني جابت الحاجة صفية، وبعدها هدى، وبعدها إبراهيم، وفي الآخر استقرت على طارق.
قُلت بصوت جهوري هز أركان الصالة المقفولة من ست شهور: – «أظن إني اتكلمت بره وقُلت كلمة واحدة ومظنش إنها محتاجة ترجمة.. المفاتيح دي ما تطلعش من إيدي.. والبيت ده مفيش رجل بشر هتخطوه من غير إذني.. وأنتوا دخلتوا هنا بدون إذني!» الحاجة صفية اتغيرت ملامحها في ثانية.. الابتسامة الصفرا اختفت، والنظارة الشمس نزلتها على مناخيرها وبصتلي بعيون مليانة شر وغضب:
– «جرى إيه يا ندى؟ هي النعمة طفحت عليكي ولا إيه؟ بقيتي تقولي بيت بيتي وأنتوا دخلتوا بدون إذني؟ نسيتي إنتِ مين وبنت مين؟ نسيتي إن أمك الله يرحمها كانت ست بياعة فول وطعمية وكانت بتيجي لحد عندي عشان استلف منها ولا أقف جنبها؟» الكلمة كانت زي الجلدة، بس ما وجعتنيش.. بالعكس، دي سقتني قوة فوق قوتي.. افتكرت وصية أمي فاطمة: “أول ما يعرفوا إن حيلتك قرشين هيجربوا يشوفوا هنسكتي لحد فين.. ولو سكتِ ياكلوا لقتك!”
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وقربت من حماتي خطوات ببطء، وقُلت: – «أمي الله يرحمها كانت بياعة فول وطعمية بلقمتها الحلال يا خالتي.. كانت بتعرق وتشقى عشان تسيبلي ورث أعيش بيه بكرامتي.. ما طمعتش في حق حد، ولا دخلت بيت غيرها وحطت إيدها عليه وقسمت أوضه وكأنه تكية أبوها! أمي فاطمة سابتلي بيت بشرعه وعقوده.. ومسابتليش قلة أصل!» هدى أخت جوزي صرخت بصوت عالي: – «إنتِ بتغلطي في أمي يا ندى؟ إنتِ اتجننتِ خلاص؟ طارق! إنت واقف تتفرج على مراتك وهي بتقل بأمك وبتقولها قلة أصل؟ رد عليها يلا! ولا خلاص الكرسي المذهب زغلل عينك إنت ومراتك؟»
طارق وشه جاب ألوان.. وقعه بين أمه وأخته وبين مراته كان مكشوف، بس طارق اختيار أمه كان دايماً هو الأساسي.. اتعصب وقرب مني ورفع صباعه في وشي بصوت عالي: – «ندى! اتكلمي بأسلوب أحسن من كده مع أمي وأختي! إيه اللي جرى لك؟ من يوم ما أمك ماتت وإنتِ اتغيرتي وبقيتي جافة وكأنك ما صدقتي ورثتي! إحنا أهلك، وإحنا اللي لينا الخير ده كله، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل!» بصيت لطارق بعيون جامدة.. المسافة بيني وبينه كأنها بقت أميال.. قُلت له بهدوء يغلي تحت منه البركان:
– «الباب يفوت جمل فعلاً يا طارق.. وعشان كده، اتفضلوا كلكم بره بيتي فوراً!» الكلمة وقعت عليهم زي الصاعقة.. إبراهيم جوز هدى ضحك بصوت عالي واستخفاف: – «بره بيتك؟ إنتِ بتقولي لمين بره بيتك؟ ده بيت جوزك يا شاطرة، وما فيش ست بتقول لجوزها ولأهله اطلعوا بره.. البيت ده هنسكن فيه وهنقعد، ورجلك فوق رقبتك!» إبراهيم وهو بيتكلم قدم خطوة ناحية السلم عشان يطلع الدور الثاني يسحب الشنط.. في اللحظة دي، أنا ما اترددتش.. سحبت تليفوني المحمول من شنطتي، وفتحت الشاشة، ودست على رقم بسرعة وكأنني مرتبة كل خطوة.
رفعت التليفون على ودني، وبصيت لإبراهيم ببرود، وقُلت بصوت عالي عشان الكل يسمع: – «ألو.. شرطة النجدة؟ أنا ندى عبد الحميد.. الممرضة بمستشفى حكيم.. أنا حالياً في بيتي الكائن في المعادي، وفيه مجموعة من الأشخاص اقتحموا العقار بالقوة ويرفضون الخروج وبيستولوا على ملكيتي الخاصة بالبلطجة.. أرجو إرسال دورية فوراً لإثبات الحالة!» في ثانية.. المكان اتقلب حلبة مصارعة! الحاجة صفية طارت من مكانها وبقت بتزعق وتصوت: – «يا لهوي! بتطلبيلنا الشرطة يا ندى؟ بتعملي في أهلك كده عشان حتة بيت مصدي؟ يا فايحة يا قليلة التربية!»
طارق جرى عليا وشد التليفون من إيدي بعنف، وشه كان اسود من الغضب وصوته رايح: – «إنتِ اتجننتِ رسمياً؟ بتطلبي الشرطة لأمي وأختي؟ إنتِ فاكرة نفسك مين؟ إنتِ طالق لو الخط ده ما اتقفلش ولو ما اعتذرتيش لأمي حالاً!» وقفت مكاني.. ما اتهزتش.. بصيت لطارق في عينيه بكل ثبات.. وعيني راحت للتليفون اللي في إيده.. الخط كان اصلاً لسه مشغول وما جمعش للنجدة، بس أنا كنت بلعب على خرقهم وقسوتهم وندالتهم اللي عارفة حدودها كويس.. بس الكلمة طلعت منه.. «إنتِ طالق».
هدوء قاتل نزل على الصالة.. الحاجة صفية سكتت فجأة وابتسمت ابتسامة النصر.. وهدى بصتلي بشماتة، وإبراهيم حط إيده في جيبه وكأنه بيقول خلاص القضية اتحسمت والبيت بقا بتاعنا. قربت من طارق خطوة واحدة.. مسكت التليفون من إيده ببطء وسحبته.. وبصيت له وقُلت بصوت مفيش فيه نقطة خوف ولا ندم: – «كلمة طالق دي.. كنت خايفة منها زمان لما كنت فاكراك راجل وسند.. لكن النهاردة؟ الكلمة دي هي أعظم شهادة ميلاد لكتبي وحريتي.. إنت طلقتني يا طارق؟ تمام.. يبقى مالكش أي صفة تخلّيك واقف جوه بيتي ثانية واحدة زيادة!»




